فهرس الكتاب

الصفحة 554 من 4314

و قوله (عليه السلام) : الذين أغناهم الله عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب ، خبر أن ، والكلام ظاهر في تحضيض المخاطب وترغيبه أن يلزم طريقة الراسخين في العلم بالاعتراف بالجهل فيما جهله فيكون منهم ، وهذا دليل على تفسيره (عليه السلام) الراسخين في العلم بمطلق من لزم ما علمه ولم يتعد إلى ما جهله.

والمراد بالغيوب المحجوبة بالسدد: المعاني المرادة بالمتشابهات المخفية عن الأفهام العامة ولذا أردفه بقوله ثانيا: فلزموا الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره ، ولم يقل بجملة ما جهلوا تأويله فافهم.

وفي الكافي ، عن الصادق (عليه السلام) : نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله.

أقول: والرواية لا تخلو عن ظهور في كون قوله تعالى والراسخون في العلم ، معطوفا على المستثنى في قوله: وما يعلم تأويله إلا الله لكن هذا الظهور يرتفع بما مر من البيان وما تقدم من الرواية ، ولا يبعد كل البعد أن يكون المراد بالتأويل هو المعنى المراد بالمتشابه فإن هذا المعنى من التأويل المساوق لتفسير المتشابه كان شائعا في الصدر الأول بين الناس.

وأما قوله (عليه السلام) : نحن الراسخون في العلم ، وقد تقدم في رواية للعياشي عن الصادق (عليه السلام) قوله: والراسخون في العلم هم آل محمد ، وهذه الجملة مروية في روايات أخر أيضا فجميع ذلك من باب الجري والانطباق كما يشهد بذلك ما تقدم ويأتي من الروايات.

وفي الكافي ، أيضا عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى أن قال: يا هشام إن الله حكى عن قوم صالحين: أنهم قالوا: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا - وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ، علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها ، إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة ينظرها ويجد حقيقتها في قلبه ، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا ، وسره لعلانيته موافقا ، لأن الله عز اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه.

أقول: قوله (عليه السلام) : لم يخف الله من لم يعقل عن الله ، في معنى قوله تعالى:"إنما يخشى الله من عباده العلماء"، وقوله (عليه السلام) : ومن لم يعقل عن الله"الخ"أحسن بيان لمعنى الرسوخ في العلم لأن الأمر ما لم يعقل حق التعقل لم ينسد طرق الاحتمالات فيه ، ولم يزل القلب مضطربا في الإذعان به وإذا تم التعقل وعقد القلب عليه لم يخالفه باتباع ما يخالفه من الهوى فكان ما في قلبه هو الظاهر في جوارحه وكان ما يقوله هو الذي يفعله ، وقوله: ولا يكون أحد كذلك الخ بيان لعلامة الرسوخ في العلم.

وفي الدر المنثور ، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أنس وأبي أمامة ووائلة بن أسقف وأبي الدرداء: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل عن الراسخين في العلم فقال: من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه ، ومن عف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين في العلم.

أقول: ويمكن توجيه الرواية بما يرجع إلى معنى الحديث السابق.

وفي الكافي ، عن الباقر (عليه السلام) : أن الراسخين في العلم من لا يختلف في علمه.

أقول: وهو منطبق على الآية ، فإن الراسخين في العلم قوبل به فيها قوله: الذين في قلوبهم زيغ ، فيكون رسوخ العلم عدم اختلاف العالم وارتيابه.

وفي الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة: أن رسول الله كان يكثر في دعائه أن يقول اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قلت: يا رسول الله وإن القلوب لتتقلب؟ قال نعم ما خلق الله من بشر من بني آدم إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله فإن شاء أقامه ، وإن شاء أزاغه ، الحديث.

أقول: وروي هذا المعنى بطرق عديدة عن عدة من الصحابة كجابر ونواس بن شمعان وعبد الله بن عمر وأبي هريرة ، والمشهور في هذا الباب ما في حديث نواس: قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن.

وقد روى اللفظة فيما أظن الشريف الرضي في المجازات النبوية.

وروي عن علي (عليه السلام) : أنه قيل له. هل عندكم شيء من الوحي؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت