أقول: وهو من غرر الأحاديث ، وأقل ما يدل عليه: أن ما نقل من أعاجيب المعارف الصادرة عن مقامه العلمي الذي يدهش العقول مأخوذ من القرآن الكريم.
والكافي ، عن الصادق عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا أيها الناس إنكم في دار هدنة ، وأنتم على ظهر سفر ، والسير بكم سريع ، وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد ، ويأتيان بكل موعود ، فأعدوا الجهاز لبعد المجاز ، قال: فقام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول الله وما دار الهدنة؟ فقال: دار بلاغ وانقطاع ، فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم ، فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع ، وماحل مصدق ، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو الدليل يدل على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل ، وهو الفصل ليس بالهزل ، وله ظهر وبطن ، فظاهره حكم وباطنه علم ، ظاهره أنيق وباطنه عميق ، له تخوم وعلى تخومه تخوم ، لا تحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى ، ومنار الحكمة ، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة ، فليجل جال بصره ، وليبلغ الصفة نظره ، ينج من عطب ، ويخلص من نشب ، فإن التفكر حيوة قلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات ، فعليكم بحسن التخلص ، وقلة التربص.
أقول: ورواه العياشي في تفسيره إلى قوله: فليجل جال.
وفي الكافي ، وتفسير العياشي ، أيضا عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : القرآن هدى من الضلالة ، وتبيان من العمى ، واستقالة من العثرة ، ونور من الظلمة ، وضياء من الأحداث ، وعصمة من الهلكة ، ورشد من الغواية ، وبيان من الفتن ، وبلاغ من الدنيا إلى الآخرة ، وفيه كمال دينكم ، وما عدل أحد من القرآن إلا إلى النار.
أقول: والروايات في هذا المساق كثيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة من أهل بيته (عليهم السلام) .
وفي تفسير العياشي ، عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الرواية: ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن ، وما فيه حرف إلا وله حد ولكل حد مطلع ، ما يعني بقوله: ظهر وبطن؟ قال: ظهره تنزيله وبطنه تأويله ، منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد ، يجري كما يجري الشمس والقمر ، كلما جاء منه شيء وقع ، قال الله: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ، نحن نعلمه.
أقول: الرواية المنقولة في ضمن الرواية هي ما روته الجماعة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بألفاظ مختلفة وإن كان المعنى واحدا كما في تفسير الصافي ، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا.
وفيه ، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا: أن للقرآن ظهرا وبطنا ولبطنه بطنا إلى سبعة أبطن.
وقوله (عليه السلام) منه ما مضى ومنه ما يأتي ، ظاهره رجوع الضمير إلى القرآن باعتبار اشتماله على التنزيل والتأويل فقوله: يجري كما يجري الشمس والقمر يجري فيهما معا ، فينطبق في التنزيل على الجري الذي اصطلح عليه الأخبار في انطباق الكلام بمعناه على المصداق كانطباق قوله:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين": التوبة - 120 ، على كل طائفة من المؤمنين الموجودين في الأعصار المتأخرة عن زمان نزول الآية ، وهذا نوع من الانطباق ، وكانطباق آيات الجهاد على جهاد النفس ، وانطباق آيات المنافقين على الفاسقين من المؤمنين ، وهذا نوع آخر من الانطباق أدق من الأول ، وكانطباقها وانطباق آيات المذنبين على أهل المراقبة والذكر والحضور في تقصيرهم ومساهلتهم في ذكر الله تعالى ، وهذا نوع آخر أدق من ما تقدمه ، وكانطباقها عليهم في قصورهم الذاتي عن أداء حق الربوبية ، وهذا نوع آخر أدق من الجميع.
ومن هنا يظهر أولا: أن للقرآن مراتب من المعاني المرادة بحسب مراتب أهله ومقاماتهم ، وقد صور الباحثون عن مقامات الإيمان والولاية من معانيه ما هو أدق مما ذكرناه.
وثانيا: أن الظهر والبطن أمران نسبيان ، فكل ظهر بطن بالنسبة إلى ظهره وبالعكس كما يظهر من الرواية التالية.