فهرس الكتاب

الصفحة 1334 من 4314

و الجعل في قوله:"و جعل الظلمات"إلخ بمعنى الخلق غير أن الخلق لما كان مأخوذا في الأصل من خلق الثوب كان التركيب من أجزاء شتى مأخوذا في معناه بخلاف الجعل ، ولعل هذا هو السبب في تخصيص الخلق بالسماوات والأرض لما فيها من التركيب بخلاف الظلمة والنور ، ولذا خصا باستعمال الجعل.

والله أعلم.

وقد أتى بالظلمات بصيغة الجمع دون النور ، ولعله لكون الظلمة متحققة بالقياس إلى النور فإنها عدم النور فيما من شأنه أن يتنور فتتكثر بحسب مراتب قربه من النور وبعده بخلاف النور فإنه أمر وجودي لا يتحقق بمقايسته إلى الظلمة التي هي عدمية ، وتكثيره تصورا بحسب قياسه التصوري إلى الظلمة لا يوجب تعدده وتكثره حقيقة.

قوله تعالى:"ثم الذين كفروا بربهم يعدلون"مسوق للتعجب المشوب بلوم أي إن الله سبحانه بخلقه السماوات والأرض وجعله الظلمات والنور متوحد بالألوهية متفرد بالربوبية لا يماثله شيء ولا يشاركه ، ومن العجب أن الذين كفروا مع اعترافهم بأن الخلق والتدبير لله بحقيقة معنى الملك دون الأصنام التي اتخذوها آلهة يعدلون بالله غيره من أصنامهم ويسوون به أوثانهم فيجعلون له أندادا تعادله بزعمهم فهم ملومون على ذلك.

وبذلك يظهر وجه الإتيان بثم الدال على التأخير والتراخي فكأن المتكلم لما وصف تفرده بالصنع والإيجاد وتوحده بالألوهية والربوبية ذكر مزعمة المشركين وأصحاب الأوثان أن هذه الحجارة والأخشاب المعمولة أصناما يعدلون بها رب العالمين فشغله التعجب زمانا وكفه عن التكلم ثم جرى في كلامه وأشار إلى وجه سكوته ، وأن حيرة التعجب كان هو المانع عن جريه في كلامه فقال: الذين كفروا بربهم يعدلون.

قوله تعالى:"هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا"يشير إلى خلقه العالم الإنساني الصغير بعد الإشارة إلى خلق العالم الكبير فيبين أن الله سبحانه هو الذي خلق الإنسان ودبر أمره بضرب الأجل لبقائه الدنيوي ظاهرا فهو محدود الوجود بين الطين الذي بدأ منه خلق نوعه وإن كان بقاء نسله جاريا على سنة الإزدواج والوقاع كما قال تعالى:"و بدأ خلق الإنسان من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين": السجدة: - 8.

وبين الأجل المقضي الذي يقارن الموت كما قال تعالى:"كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا يرجعون": العنكبوت: - 57 ومن الممكن أن يراد بالأجل ما يقارن الرجوع إلى الله سبحانه بالبعث فإن القرآن الكريم كأنه يعد الحياة البرزخية من الدنيا كما يفيده ظاهر قوله تعالى:"قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين ، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين ، قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون": المؤمنون - 114 ، وقال أيضا:"و يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ، ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون ، وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون": الروم: - 56.

وقد أبهم أمر الأجل بإتيانه منكرا في قوله:"ثم قضى أجلا"للدلالة على كونه مجهولا للإنسان لا سبيل له إلى المعرفة به بالتوسل إلى العلوم العادية.

قوله تعالى:"و أجل مسمى عنده"تسمية الأجل تعيينه فإن العادة جرت في العهود والديون ونحو ذلك بذكر الأجل وهو المدة المضروبة أو آخر المدة باسمه ، وهو الأجل المسمى ، قال تعالى:"إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه": البقرة: - 282 وهو الأجل بمعنى آخر المدة المضروبة ، وكذا قوله تعالى:"من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت": العنكبوت: - 5 وقال تعالى في قصة موسى وشعيب:"قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك - إلى أن قال - قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي": القصص - 28 وهو الأجل بمعنى تمام المدة المضروبة.

والظاهر أن الأجل بمعنى آخر المدة فرع الأجل بمعنى تمام المدة استعمالا أي أنه استعمل كثيرا"الأجل المقضي"ثم حذف الوصف واكتفي بالموصوف فأفاد الأجل معنى الأجل المقضي ، قال الراغب في مفرداته: يقال للمدة المضروبة لحياة الإنسان"أجل"فيقال: دنا أجله عبارة عن دنو الموت ، وأصله استيفاء الأجل ، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت