فهرس الكتاب

الصفحة 959 من 4314

و السياق يدل على أن قوله"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا"، كالنتيجة المستنتجة مما تقدم أو الفرع المتفرع عليه ، وهذا كالصريح في أن الآيات السابقة إنما تتعرض لحال مرضى القلوب وضعفاء الإيمان من المؤمنين ويسميهم المنافقين ، ولا أقل من شمولها لهم ثم يعظ المؤمنين أن لا يقربوا هذا الحمى ولا يتعرضوا لسخط الله ، ولا يجعلوا الله تعالى على أنفسهم حجة واضحة فيضلهم ويخدعهم ويذبذبهم في الحياة الدنيا ، ثم يجمع بينهم وبين الكافرين في جهنم جميعا ، ثم يسكنهم في أسفل درك من النار ، ويقطع بينهم وبين كل نصير ينصرهم ، وشفيع يشفع لهم.

ويظهر من الآيتين أولا: أن الإضلال والخدعة وكل سخط إلهي من هذا القبيل إنما عن حجة واضحة تعطيها أعمال العباد ، فهي إخزاء على طريق المقابلة والمجازاة ، وحاشا الجناب الإلهي أن يبدأهم بالشر والشقوة من غير تقدم ما يوجب ذلك من قبلهم ، فقوله"أ تريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا"؟ يجري مجرى قوله"و ما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26.

وثانيا: أن في النار لأهلها مراتب تختلف في السفالة ، ولا محالة يشتد بحسبها عذابهم يسميها الله تعالى بالدركات.

قوله تعالى:"إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله"استثناء من الوعيد الذي ذكر في المنافقين بقوله:"إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار"الآية ولازم ذلك خروجهم من جماعة المنافقين ، ولحوقهم بصف المؤمنين ، ولذلك ذيل الاستثناء بذكر كونهم مع المؤمنين ، وذكر ثواب المؤمنين جميعا فقال تعالى:"فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما."

وقد وصف الله هؤلاء الذين استثناهم من المنافقين بأوصاف عديدة ثقيلة ، وليست تنبت أصول النفاق وأعراقه إلا بها ، فذكر التوبة وهي الرجوع إلى الله تعالى ، ولا ينفع الرجوع والتوب وحده حتى يصلحوا كل ما فسد منهم من نفس وعمل ، ولا ينفع الإصلاح إلا أن يعتصموا بالله أي يتبعوا كتابه وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ لا سبيل إلى الله إلا ما عينه وما سوى ذلك فهو سبيل الشيطان.

ولا ينفع الاعتصام المذكور إلا إذا أخلصوا دينهم - وهو الذي فيه الاعتصام - لله ، فإن الشرك ظلم لا يعفى عنه ولا يغفر ، فإذا تابوا إلى الله وأصلحوا كل فاسد منهم واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله كانوا عند ذلك مؤمنين لا يشوب إيمانهم شرك ، فآمنوا النفاق واهتدوا قال تعالى:"الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون": الأنعام: 82.

ويظهر من سياق الآية أن المراد بالمؤمنين هم المؤمنون محضا المخلصون للإيمان ، وقد عرفهم الله تعالى بأنهم الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ، وهذه الصفات تتضمن تفاصيل جميع ما عده الله تعالى في كتابه من صفاتهم ونعوتهم كقوله تعالى"قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون"إلى آخر الآيات: المؤمنون: 3 ، وقوله تعالى"و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما"الآيات: الفرقان: 64 ، وقوله"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما": النساء: 65.

فهذا هو مراد القرآن بالمؤمنين إذا أطلق اللفظ إطلاقا من غير قرينة تدل على خلافه.

وقد قال تعالى:"فأولئك مع المؤمنين"ولم يقل: فأولئك من المؤمنين لأنهم بتحقق هذه الأوصاف فيهم أول تحققها يلحقون بهم ، ولن يكونوا منهم حتى تستمر فيهم الأوصاف على استقرارها ، فافهم ذلك.

قوله تعالى:"ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم"، ظاهره أنه خطاب للمؤمنين ، لأن الكلام جار على خطابهم وإنما يخاطبون بهذا الخطاب مع الغض عن إيمانهم وفرضهم كالعاري عنه على ما هو شأن مثل هذا الخطاب.

وهو كناية عن عدم حاجته تعالى إلى عذابهم ، وأنهم لو لم يستوجبوا العذاب بتركهم الشكر والإيمان لم يكن من قبله تعالى ما يوجب عذابهم ، لأنه لا ينتفع بعذابهم حتى يؤثره ، ولا يستضر بوجودهم حتى يدفعه عن نفسه بعذابهم ، فالمعنى: لا موجب لعذابكم إن شكرتم نعمة الله بأداء واجب حقه وآمنتم به وكان الله شاكرا لمن شكره وآمن به ، عليما لا يجهل مورده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت