و الاستحواذ: الغلبة والتسلط ، وهذا وصف آخر لهؤلاء المنافقين فإنهم إنما حفظوا رابطة الاتصال بالفريقين جميعا: المؤمنين والكافرين ، يستدرون الطائفتين ويستفيدون ممن حسن حاله منهما ، فإن كان للمؤمنين فتح قالوا: إنا كنا معكم فليكن لنا سهم مما أوتيتموه من غنيمة ونحوها ، وإن كان للكافرين نصيب قالوا: أ لم نغلبكم ونمنعكم من المؤمنين؟ أي من الإيمان بما آمنوا به والاتصال بهم فلنا سهم مما أوتيتموه من النصيب أو منة عليكم حيث جررنا إليكم النصيب.
قيل: عبر عما للمؤمنين بالفتح لأنه هو الموعود لهم ، وللكافرين بالنصيب تحقيرا له فإنه لا يعبأ به بعد ما وعد الله المؤمنين أن لهم الفتح وأن الله وليهم ، ولعله لذلك نسب الفتح إلى الله دون النصيب.
قوله تعالى:"فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا"الخطاب للمؤمنين وإن كان ساريا إلى المنافقين والكافرين جميعا ، وأما قوله"و لن يجعل الله"، فمعناه أن الحكم يومئذ للمؤمنين على الكافرين ، ولن ينعكس الأمر أبدا ، وفيه إياس للمنافقين ، أي لييئس هؤلاء المنافقون فالغلبة للمؤمنين على الكافرين بالآخرة.
ويمكن أن يكون نفي السبيل أعم من النشأتين: الدنيا والآخرة ، فإن المؤمنين غالبون بإذن الله دائما ما داموا ملتزمين بلوازم إيمانهم ، قال تعالى:"و لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين": آل عمران: 139.
قوله تعالى:"إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم"المخادعة هي الإكثار أو التشديد في الخدعة بناء على أن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني.
وقوله"و هو خادعهم"في موضع الحال أي يخادعون الله في حال هو يخدعهم ويئول المعنى إلى أن هؤلاء يريدون بأعمالهم الصادرة عن النفاق من إظهار الإيمان ، والاقتراب من المؤمنين ، والحضور في محاضرهم ومشاهدهم أن يخادعوا الله أي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين فيستدروا منهم بظاهر إيمانهم وأعمالهم من غير حقيقة ، ولا يدرون أن هذا الذي خلى بينهم وبين هذه الأعمال ولم يمنعهم منها هو الله سبحانه ، وهو خدعة منه لهم ومجازاة لهم بسوء نياتهم وخباثة أعمالهم فخدعتهم له بعينها خدعته لهم.
قوله تعالى:"و إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا"هذا وصف آخر من أوصافهم وهو القيام إلى الصلاة - إذا قاموا إليها - كسالى يراءون الناس ، والصلاة أفضل عبادة يذكر فيها الله ، ولو كانت قلوبهم متعلقه بربهم مؤمنة به لم يأخذهم الكسل والتواني في التوجه إليه وذكره ، ولم يعملوا عملهم لمراءاة الناس ، ولذكروا الله تعالى كثيرا على ما هو شأن تعلق القلب واشتغال البال.
قوله تعالى:"مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء"، قال في المجمع: يقال: ذبذبته فذبذب أي حركته فتحرك فهو كتحريك شيء معلق انتهى.
فكون الشيء مذبذبا أن يتردد بين جانبين من غير تعلق بشيء منهما ، وهذا نعت المنافقين ، يتذبذبون بين ذلك - أي الذي ذكر من الإيمان والكفر - لا إلى هؤلاء أي لا إلى المؤمنين فقط كالمؤمنين بالحقيقة ، ولا إلى الكفار فقط كالكافرين محضا.
وقوله"و من يضلل الله فلن تجد له سبيلا"في مقام التعليل لما سبقه من حديث الذبذبة ، فسبب ترددهم بين الجانبين من غير تعلق بأحدهما أن الله أضلهم عن السبيل فلا سبيل لهم يردونه.
ولهذه العلة بعينها قيل:"مذبذبين بين ذلك"ولم يقل: متذبذبين أي القهر الإلهي هو الذي يجر لهم هذا النوع من التحريك الذي لا ينتهي إلى غاية ثابتة مطمئنة.
قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء"إلى آخر الآيتين السلطان هو الحجة.
والدرك بفتحتين - وقد يسكن الراء - قال الراغب: الدرك كالدرج لكن الدرج يقال اعتبارا بالصعود ، والدرك اعتبارا بالحدور ، ولهذا قيل: درجات الجنة ودركات النار ، ولتصور الحدور في النار سميت هاوية انتهى.
والآية - كما ترى - تنهى المؤمنين عن الاتصال بولاية الكفار وترك ولاية المؤمنين ، ثم الآية الثانية تعلل ذلك بالوعيد الشديد المتوجه إلى المنافقين ، وليس إلا أن الله سبحانه يعد هذا الصنيع نفاقا يحذر المؤمنين من الوقوع فيه.