و في الكافي ، أيضا عن الصادق (عليه السلام) : في قوله تعالى: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، قال: كان الناس يستنجون بالكرسف والأحجار ثم أحدث الوضوء وهو خلق كريم فأمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصنعه فأنزل الله في كتابه: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
أقول: والأخبار في هذا المعنى كثيرة ، وفي بعضها: أن أول من استنجى بالماء براء بن عازب فنزلت الآية وجرت به السنة.
وفيه ، عن سلام بن المستنير ، قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فدخل عليه حمران بن أعين وسأله عن أشياء ، فلما هم حمران بالقيام قال لأبي جعفر (عليه السلام) : أخبرك أطال الله بقاك وأمتعنا بك: إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى يرق قلوبنا وتسلو أنفسنا عن الدنيا وهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال ، ثم نخرج من عندك فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا ، قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام) : إنما هي القلوب ، مرة تصعب ومرة تسهل ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) أما إن أصحاب محمد قالوا: يا رسول الله نخاف علينا من النفاق؟ قال: فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا وجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا حتى كنا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك ، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل يكاد أن نحول عن الحالة التي كنا عليها عندك ، وحتى كأنا لم نكن على شيء ، أ فتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا؟ فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : كلا إن هذه خطوات الشيطان فيرغبكم في الدنيا ، والله لو تدومون على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة ، ومشيتم على الماء ، ولو لا أنكم تذنبون فتستغفرون الله تعالى لخلق خلقا حتى يذنبوا فيستغفروا الله تعالى فيغفر لهم ، إن المؤمن مفتن تواب أ ما سمعت قول الله عز وجل: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، وقال تعالى: استغفروا ربكم ثم توبوا إليه: أقول: وروى مثله العياشي في تفسيره ، قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لو تدومون على الحالة ، إشارة إلى مقام الولاية وهو الانصراف عن الدنيا والإشراف على ما عند الله سبحانه ، وقد مر شطر من الكلام فيها في البحث عن قوله تعالى:"الذين إذا أصابتهم مصيبة": البقرة - 156.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لو لا أنكم تذنبون"إلخ"، إشارة إلى سر القدر ، وهو انسحاب حكم أسمائه تعالى إلى مرتبة الأفعال وجزئيات الحوادث بحسب ما لمفاهيم الأسماء من الاقتضاءات ، وسيجيء الكلام فيه في ذيل قوله تعالى:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر - 21 ، وسائر آيات القدر ، وقوله أ ما سمعت قول الله عز وجل: إن الله يحب التوابين"إلخ"، من كلام أبي جعفر (عليه السلام) ، والخطاب لحمران ، وفيه تفسير التوبة والتطهر بالرجوع إلى الله تعالى من المعاصي وإزالة قذارات الذنوب عن النفس ، ورينها عن القلب ، وهذا من استفادة مراتب الحكم من حكم بعض المراتب ، نظير ما ورد في قوله تعالى:"لا يمسه إلا المطهرون:"الواقعة - 79 ، من الاستدلال به على أن علم الكتاب عند المطهرين من أهل البيت ، والاستدلال على حرمة مس كتابة القرآن على غير طهارة.
وكما أن الخلقة تتنزل آخذة من الخزائن التي عند الله تعالى حتى تنتهي إلى آخر عالم المقادير على ما قال تعالى:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم:"الحجر - 21 ، كذلك أحكام المقادير لا تتنزل إلا بالمرور من منازل الحقائق فافهم ذلك ، وسيجيء له زيادة توضيح في البحث عن قوله تعالى:"هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات الآية:"آل عمران - 7.
ومن هنا يستأنس ما مرت إليه الإشارة: أن المراد بالتوبة والتطهر في الآية على ظاهر التنزيل هو الغسل بالماء فهو إرجاع البدن إلى الله سبحانه بإزالة القذر عنه.