فهرس الكتاب

الصفحة 1515 من 4314

و تمام هذه الكلمة الإلهية صدقا هو أن يصدق القول بتحققها في الخارج بالصفة التي بين بها ، وعدلا أن تتصف بالتقسيط على سواء فلا يتخلف بعض أجزائه عن بعض وتزن الأشياء على النحو الذي من شأنها أن توزن به من غير إخسار أو حيف وظلم ، ولذلك بين هذين القيدين أعني"صدقا وعدلا"بقوله"لا مبدل لكلماته"فإن الكلمة الإلهية إذا لم تقبل تبديلا من مبدل سواء كان المبدل هو نفسه تعالى كأن ينقض ما قضى بتبدل إرادة أو يخلف ميعاده ، أو كان المبدل غيره تعالى كأن يعجزه غيره ويقهره على خلاف ما يريد كانت كلمته صدقا تقع كما قال ، وعدلا لا تنحرف عن حالها التي كانت عليها وصفها الذي وصفت به فالجملة أعني قوله:"لا مبدل لكلماته"بمنزلة التعليل يعلل بها قوله:"صدقا وعدلا".

ومن أقوال المفسرين في الآية أن المراد بالكلمة والكلمات القرآن ، وقيل: إن المراد بالكلمة القرآن ، وبالكلمات ما فيه غير الشرائع فإنها تقبل التبديل بالنسخ والله سبحانه يقول:"لا مبدل لكلماته"وقيل: المراد بالكلمة الدين ، وقيل: المراد الحجة ، وقيل: الصدق ما كان في القرآن من الأخبار والعدل ما فيه من الأحكام ، هذا.

وقوله تعالى:"و هو السميع العليم"أي السميع المستجيب لما تدعونه بلسان حاجتكم ، العليم بحقيقة ما عندكم من الحاجة ، أو السميع بما يحدث في ملكه بواسطة الملائكة الرسل ، والعليم بذلك من غير واسطة ، أو السميع لأقوالكم ، العليم بأفعالكم.

قوله تعالى:"و إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله"إلى آخر الآية.

الخرص الكذب والتخمين ، والمعنى الثاني هو الأنسب بسياق الآية فإن الجملة أعني قوله:"و إن هم إلا يخرصون"والتي قبلها أعني قوله:"إن يتبعون إلا الظن"واقعتان موقع التعليل لقوله:"و إن تطع أكثر من في الأرض"إلخ ، واتباع الظن والقول بالخرص والتخمين سببان بالطبع للضلال في الأمور التي لا يسوغ الاعتماد فيها إلا على العلم واليقين كالمعارف الراجعة إليه تعالى والشرائع المأخوذة من قبله.

وسير الإنسان وسلوكه الحيوي في الدنيا وإن كان لا يتم دون الركون إلى الظن والاستمداد من التخمين حتى أن الباحث عن علوم الإنسان الاعتبارية والعلل والأسباب التي تدعوه إلى صوغه لها وتقليبها في قالب الاعتبار ، وارتباطها بشئونه الحيوية وأعماله وأحواله لا يكاد يجد مصداقا يركن الإنسان فيه إلى العلم الخالص واليقين المحض اللهم إلا بعض الكليات النظرية التي ينتهي إليها مما يضطر إلى الإذعان بها والاعتماد عليها.

إلا أن ذلك كله فيما يقبل التقريب والتخمين من جزئيات الأمور في الحياة ، وأما السعادة الإنسانية التي فيه فوز هذا النوع وفلاحه ، والشقاء الذي يرتبط به الهلاك الأبدي والخسران الدائم ، وما يتوقف عليه التبصر فيهما من النظر في العالم وصانعه والغرض من إيجاده وما ينتهي إليه الأمر من البعث والنشور وما يتعلق به من النبوة والكتاب والحكم فإن ذلك كله مما لا يقبل الركون إلى الظن والتخمين والله سبحانه لا يرتضي من عباده في ذلك إلا العلم واليقين ، والآيات في ذلك كثيرة جدا كقوله تعالى:"و لا تقف ما ليس لك به علم": الإسراء: 36.

ومن أوضحها دلالة هذه الآية التي نحن فيها يبين فيها أن أكثر أهل الأرض لركونهم العام إلى الظن والتخمين لا يجوز طاعتهم فيما يدعون إليه ويأمرون به في سبيل الله وطريق عبوديته لأن الظن ليس مما يكشف به الحق الذي يستراح إليه في أمر الربوبية والعبودية لملازمته الجهل بالواقع وعدم الاطمئنان إليه ، ولا عبودية مع الجهل بالرب وما يريده من عبده.

فهذا هو الذي يقضي به العقل الصريح ، وقد أمضاه الله سبحانه كما في قوله في الآية التالية في معنى تعليل النهي عن الطاعة:"إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين"حيث علل الحكم بعلم الله دون حكم العقل ، وقد جمع سبحانه بين الطريقين جميعا في قوله:"و ما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا وهذا أخذ بحكم العقل - فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى": النجم: 30 وفي ذيل الآية استناد إلى علم الله سبحانه وحكمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت