و قوله:"بالحق"متعلق بقوله:"منزل من ربك"وكون التنزيل بالحق هو أن لا يكون بتنزيل الشياطين بالتسويل أو بطريق الكهانة كما في قوله تعالى:"هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ، تنزل على كل أفاك أثيم": الشعراء: 222 أو بتخليط الشياطين بعض الباطل بالوحي الإلهي ، وقد أمن الله رسول من ذلك بمثل قوله:"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم": الجن: 28. قوله تعالى:"و تمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم"الكلمة - وهي ما دل على معنى تام أو غيره - ربما استعملت في القرآن في القول الحق الذي قاله الله عز من قائل من القضاء أو الوعد كما في قوله:"و لو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم": يونس: 19 يشير إلى قوله لآدم عند الهبوط:"و لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين": البقرة: 36 وقوله تعالى:"حقت عليهم كلمة ربك": يونس: 96 يشير إلى قوله تعالى لإبليس:"لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين": ص: 85 وقد فسرها في موضع آخر بقوله:"و تمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين": هود: 119 وكقوله تعالى:"و تمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا": الأعراف: 137 يشير إلى ما وعدهم أنه سينجيهم من فرعون ويورثهم الأرض كما يشير إليه قوله:"و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين": القصص: 5.
وربما استعملت الكلمة في العين الخارجي كالإنسان مثلا كقوله تعالى:"إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم": آل عمران: 45 والعناية فيه أنه (عليه السلام) خرق عادة التدريج وخلق بكلمة إلهية موجدة قال تعالى:"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون": آل عمران: 59.
فظاهر سياق الآيات فيما نحن فيه يعطي أن يكون المراد بقوله:"و تمت كلمة ربك صدقا وعدلا"كلمة الدعوة الإسلامية وما يلازمها من نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول القرآن المهيمن على ما تقدم عليه من الكتب السماوية المشتمل على جوامع المعارف الإلهية وكليات الشرائع الدينية كما أشار إليه فيما حكى من دعاء إبراهيم (عليه السلام) عند بناء الكعبة:"ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم": البقرة: 129.
وأشار إلى تقدم ذكره في الكتب السماوية في قوله:"الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل": الأعراف: 157 وبذلك يشعر قوله في الآية السابقة:"و الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق"وقوله:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم": البقرة: 146 إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
فالمراد بتمام الكلمة - والله أعلم - بلوغ هذه الكلمة أعني ظهور الدعوة الإسلامية بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول الكتاب المهيمن على جميع الكتب ، مرتبة الثبوت واستقرارها في مستقر التحقق بعد ما كانت تسير دهرا طويلا في مدارج التدريج بنبوة بعد نبوة وشريعة بعد شريعة فإن الآيات الكريمة دالة على أن الشريعة الإسلامية تتضمن جمل ما تقدمت عليه من الشرائع وتزيد عليها بما ليس فيها كقوله تعالى:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى": الشورى: 13.
وبذلك يظهر معنى تمام الكلمة وأن المراد به انتهاء تدرج الشرائع من مراحل النقص إلى مرحلة الكمال ، ومصداقه الدين المحمدي قال تعالى:"و الله متم نوره ولو كره الكافرون ، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون": الصف: 9.