فقوله:"لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة"إخبار عن إثابته تعالى لهم بإزاء بيعتهم له (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت الشجرة.
وقد كانت البيعة يوم الحديبية تحت شجرة سمرة بها بايعه (صلى الله عليه وآله وسلم) من معه من المؤمنين وقد ظهر به أن الظرف في قوله:"إذ يبايعونك"متعلق بقوله:"لقد رضي"واللام للقسم.
قوله تعالى:"فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما"تفريع على قوله:"لقد رضي الله"إلخ ، والمراد بما في قلوبهم حسن النية وصدقها في مبايعتهم فإن العمل إنما يكون مرضيا عند الله لا بصورته وهيئته بل بصدق النية وإخلاصها.
فالمعنى: فعلم ما في قلوبهم من صدق النية وإخلاصها في مبايعتهم لك.
وقيل: المراد بما في قلوبهم الإيمان وصحته وحب الدين والحرص عليه ، وقيل: الهم والأنفة من لين الجانب للمشركين وصلحهم.
والسياق لا يساعد على شيء من هذين الوجهين كما لا يخفى.
فإن قلت: المراد بما في قلوبهم ليس مطلق ما فيها بل نيتهم الصادقة المخلصة في المبايعة كما ذكر ، وعلمه تعالى بنيتهم الموصوفة بالصدق والإخلاص سبب يتفرع عليه رضاه تعالى عنهم لا مسبب متفرع على الرضا ، ولازم ذلك تفريع الرضا على العلم بأن يقال: لقد علم ما في قلوبهم فرضي عنهم لا تفريع العلم على الرضا كما في الآية.
قلت: كما أن للمسبب تفرعا على السبب من حيث التحقق والوجود كذلك للسبب - سواء كان تاما أو ناقصا - تفرع على المسبب من حيث الانكشاف والظهور ، والرضا كما تقدم صفة فعل له تعالى منتزع عن مجموع علمه تعالى بالعمل الصالح وما يثيب به ويجزي صاحب العمل ، والذي انتزع عنه الرضا في المقام هو مجموع علمه تعالى بما في قلوبهم وإنزاله السكينة عليهم وإثابتهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها.
فقوله:"فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة"إلخ ، تفريع على قوله:"لقد رضي الله عن المؤمنين"للدلالة على حقيقة هذا الرضا والكشف عن مجموع الأمور التي بتحققها يتحقق معنى الرضا.
ثم قوله:"فأنزل السكينة عليهم"متفرع على قوله:"فعلم ما في قلوبهم"وكذا ما عطف عليه من قوله:"و أثابهم فتحا قريبا"إلخ.
والمراد بالفتح القريب فتح خيبر على ما يفيده السياق وكذا المراد بمغانم كثيرة يأخذونها ، غنائم خيبر ، وقيل: المراد بالفتح القريب فتح مكة ، والسياق لا يساعد عليه.
وقوله:"و كان الله عزيزا حكيما"أي غالبا فيما أراد متقنا لفعله غير مجازف فيه.
قوله تعالى:"وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه"إلخ ، المراد بهذه المغانم الكثيرة المغانم التي سيأخذها المؤمنون بعد الرجوع من الحديبية أعم من مغانم خيبر وغيرها فتكون الإشارة بقوله:"فعجل لكم هذه"إلى المغانم المذكورة في الآية السابقة وهي مغانم خيبر نزلت منزلة الحاضرة لاقتراب وقوعها.
هذا على تقدير نزول الآية مع الآيات السابقة ، وأما على ما قيل: إن الآية نزلت بعد فتح خيبر فأمر الإشارة في قوله:"فعجل لكم هذه"ظاهر لكن المعروف نزول السورة بتمامها في مرجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحديبية بينها وبين المدينة.
وقيل: الإشارة بهذه إلى البيعة التي بايعوها تحت الشجرة وهو كما ترى.
وقوله:"و كف أيدي الناس عنكم"قيل: المراد بالناس قبيلتا أسد وغطفان هموا بعد مسير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى خيبر أن يغيروا على أموال المسلمين وعيالهم بالمدينة فقذف الله في قلوبهم الرعب وكف أيديهم.
وقيل: المراد مالك بن عوف وعيينة بن حصين مع بني أسد وغطفان جاءوا لنصرة يهود خيبر فقذف الله في قلوبهم الرعب فرجعوا ، وقيل: المراد بالناس أهل مكة ومن والاها حيث لم يقاتلوه (صلى الله عليه وآله وسلم) ورضوا بالصلح.
وقوله:"و لتكون آية للمؤمنين"عطف على مقدر أي وعدهم الله بهذه الإثابة إثابة الفتح والغنائم الكثيرة المعجلة والمؤجلة لمصالح كذا وكذا ولتكون آية للمؤمنين أي علامة وأمارة تدلهم على أنهم على الحق وأن ربهم صادق في وعده ونبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم) صادق في إنبائه.