فهرس الكتاب

الصفحة 2397 من 4314

و فيه أنه خلاف المعهود من إطلاق القرآن لفظة:"الذين أوتوا الكتاب"على أن ذلك يؤدي إلى كون الآية مشتملة على معنى مكرر.

وربما ذكر بعضهم أن المراد بهم اليهود خاصة والكتاب هو التوراة والمراد بإنكار بعض أحزابهم بعض القرآن وهو ما لا يوافق أحكامهم المحرفة مع أن الجميع ينكرون ما لا يوافق ما عندهم إنكاره من غير فرح وأما الباقون فكانوا فرحين ومنكرين وقد أطالوا البحث عن ذلك.

وعن بعضهم: أن المراد بالموصول عامة المسلمين ، وبالأحزاب اليهود والنصارى والمجوس ، وعن بعضهم أن تقدير قوله:"و إليه مآب"وإليه مآبي ومآبكم.

وهذه أقوال لا دليل من اللفظ على شيء منها ولا جدوى في إطالة البحث عنها.

قوله تعالى"و كذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق"الإشارة بقوله:"كذلك"إلى الكتاب المذكور في الآية السابقة وهو جنس الكتاب النازل على الأنبياء الماضين كالتوراة والإنجيل.

والمراد بالحكم هو القضاء والعزيمة فإن ذلك هو شأن الكتاب النازل من السماء المشتمل على الشريعة كما قال:"و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه": البقرة: 212 فالكتاب حكم إلهي بوجه وحاكم بين الناس بوجه فهذا هو المراد بالحكم دون الحكمة كما قيل.

وقوله:"عربيا"صفة لحكم وإشارة إلى كون الكتاب بلسان عربي وهو لسانه (صلى الله عليه وآله وسلم) سنة الله التي قد خلت في عباده ، قال تعالى:"و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه": إبراهيم: 4 وهذا - كما لا يخفى - من الشاهد على أن المراد بالمذكورين في الآية السابقة اليهود والنصارى ، وأن هذه الآيات متعرضة لشأنهم كما كانت الآيات السابقة عليها متعرضة لشأن المشركين.

وعلى هذا فالمراد بقوله:"و لئن اتبعت أهواءهم"إلخ ، النهي عن اتباع أهواء أهل الكتاب ، وقد ذكر في القرآن من ذلك شيء كثير ، وعمدة ذلك أنهم كانوا يقترحون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آية غير القرآن كما كان المشركون يقترحونها ، وكانوا يطمعون أن يتبعهم فيما عندهم من الأحكام لإحالتهم النسخ في الأحكام ، وهذان الأمران ولا سيما أولهما عمدة ما تتعرض له هذه الآيات.

والمعنى: وكما أنزلنا على الذين أوتوا الكتاب كتابهم أنزلنا هذا القرآن عليك بلسانك مشتملا على حكم أو حاكما بين الناس ولئن اتبعت أهواء أهل الكتاب فتمنيت أن ينزل عليك آية غير القرآن كما يقترحون أو داهنتهم وملت إلى اتباع بعض ما عندهم من الأحكام المنسوخة أو المحرفة أخذناك بالعقوبة وليس لك ولي يلي أمرك من دون الله ولا واق يقيك منه فالخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو المراد به دون الأمة كما ذكره بعضهم.

قوله تعالى:"و لقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب"لما نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن اتباع أهوائهم فيما اقترحوا عليه من إنزال آية غير القرآن ذكره بحقيقة الحال التي تؤيسه من الطمع في ذلك ويعزم عليه أن يتوكل على الله ويرجع إليه الأمور.

وهو أن سنة الله الجارية في الرسل أن يكونوا بشرا جارين على السنة المألوفة بين الناس من غير أن يتعدوها فيملكوا شيئا مما يختص بالغيب كأن يكونوا ذا قوة غيبية فعالة لما تشاء قديرة على كل ما أرادت أو أريد منها حتى تأتي بكل آية شاءت إلا أن يأذن الله له فليس للرسول وهو بشر كسائرهم من الأمر شيء بل لله الأمر جميعا.

فهو الذي ينزل الآية إن شاء غير أنه سبحانه إنما ينزل من الآيات إذا اقتضته الحكمة الإلهية وليست الأوقات مشتركة متساوية في الحكم والمصالح وإلا لبطلت الحكمة واختل نظام الخليقة بل لكل وقت حكمة تناسبه وحكم يناسبه فلكل وقت آية تخصه.

وهذا هو الذي تشير إليه الآية فقوله:"و لقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية"إشارة إلى السنة الجارية في الرسل من البشرية العادية ، وقوله:"و ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله"إشارة إلى حرمانهم من القدرة الغيبية المستقلة بكل ما أرادت إلا أن يمدهم الإذن الإلهي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت