فهرس الكتاب

الصفحة 4032 من 4314

و قوله:"و من يؤمن بالله يهد قلبه"كان ظاهر سياق قوله:"ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله"يفيد أن لله سبحانه في الحوادث التي تسوء الإنسان علما ومشية فليست تصيبه مصيبة إلا بعد علمه تعالى ومشيته فليس لسبب من الأسباب الكونية أن يستقل بنفسه فيما يؤثره فإنما هو نظام الخلقة لا رب يملكه إلا خالقه فلا تحدث حادثة ولا تقع واقعة إلا بعلم منه ومشية فلم يكن ليخطئه ما أصابه ولم يكن ليصيبه ما أخطأه.

وهذه هي الحقيقة التي بينها بلسان آخر في قوله:"ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير": الحديد: 22.

فالله سبحانه رب العالمين ولازم ربوبيته العامة أنه وحده يملك كل شيء لا مالك بالحقيقة سواه ، والنظام الجاري في الوجود مجموع من أنحاء تصرفاته في خلقه فلا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا عن إذن منه ، ولا يفعل فاعل ولا يقبل قابل إلا عن علم سابق منه ومشية لا يخطىء علمه ومشيته ولا يرد قضاؤه.

فالإذعان بكونه تعالى هو الله يستعقب اهتداء النفس إلى هذه الحقائق واطمئنان القلب وسكونه وعدم اضطرابه وقلقه من جهة تعلقه بالأسباب الظاهرية وإسناده المصائب والنوائب المرة إليها دون الله سبحانه.

وهذا معنى قوله تعالى:"و من يؤمن بالله يهد قلبه".

وقيل: معنى الجملة: ومن يؤمن بتوحيد الله ويصبر لأمر الله يهد قلبه للاسترجاع حتى يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون ، وفيه إدخال الصبر في معنى الإيمان.

وقيل: المعنى: ومن يؤمن بالله يهد قلبه إلى ما عليه أن يفعل فإن ابتلي صبر وإن أعطي شكر وإن ظلم غفر ، وهذا الوجه قريب مما قدمناه.

وقوله:"و الله بكل شيء عليم"تأكيد للاستثناء المتقدم ، ويمكن أن يكون إشارة إلى ما يفيده قوله:"ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها": الحديد: 22.

قوله تعالى:"و أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين"ظاهر تكرار"أطيعوا"دون أن يقال: أطيعوا الله والرسول اختلاف المراد بالإطاعة ، فالمراد بإطاعة الله تعالى الانقياد له فيما شرعه لهم من شرائع الدين والمراد بإطاعة الرسول الانقياد له وامتثال ما يأمر به بحسب ولايته للأمة على ما جعلها الله له.

وقوله:"فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين"التولي الإعراض ، والبلاغ التبليغ ، والمعنى: فإن أعرضتم عن إطاعة الله فيما شرع من الدين أو عن إطاعة الرسول فيما أمركم به بما أنه ولي أمركم ، فلم يكرهكم رسولنا على الطاعة فإنه لم يؤمر بذلك ، وإنما أمر بالتبليغ وقد بلغ.

ومن هنا يظهر أن أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما وراء الأحكام والشرائع من تبليغ رسالة الله فأمره ونهيه فيما توليه من أمر الله ونهيه ، وطاعته فيهما من طاعة الله تعالى كما يدل عليه إطلاق قوله تعالى:"و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله": النساء: 64.

الظاهر في أن طاعة الرسول فيما يأمر وينهى مطلقا مأذون فيه بإذن الله ، وإذنه في طاعته يستلزم علمه ومشيته لطاعته ، وإرادة طاعة الأمر والنهي إرادة لنفس الأمر والنهي فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونهيه من أمر الله ونهيه وإن كان فيما وراء الأحكام والشرائع المجعولة له تعالى.

ولما تقدم من رجوع طاعة الرسول إلى طاعة الله التفت من الغيبة إلى الخطاب في قوله:"رسولنا"وفيه مع ذلك شيء من شائبة التهديد.

قوله تعالى:"الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون"في مقام التعليل لوجوب إطاعة الله على ما تقدم أن طاعة الرسول من طاعة الله ، توضيح ذلك أن الطاعة بمعنى الانقياد والائتمار للأمر والانتهاء عن النهي من شئون العبودية حيث لا أثر لملك المولى رقبة عبده إلا مالكيته لإرادته وعمله فلا يريد إلا ما يريد المولى أن يريده ولا يعمل إلا ما يريد المولى أن يعمله فالطاعة نحو من العبودية كما يشير إليه قوله:"أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان": يس: 60 ، يعاتبهم بعبادة الشيطان وإنما أطاعوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت