قوله تعالى:"الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون"بعد ما ذكر الحجة وتكذيب كثير من الناس لخص القول في نتيجتها وهو أن البدء والعود بيده سبحانه وسيرجع إليه الجميع ، والمراد بالخلق المخلوقون ، ولذا أرجع إليه ضمير الجمع في ترجعون.
قوله تعالى:"و يوم تقوم الساعة يبلس المجرمون"ذكر حال المجرمين بعد قيام الساعة وهي ساعة الرجوع إليه تعالى للحساب والجزاء ، والإبلاس اليأس من الله وفيه كل الشقاء.
قوله تعالى:"و لم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين"يريد أنهم على يأسهم من الرحمة من ناحية أعمالهم أنفسهم آيسون من آلهتهم الذين اتخذوهم شركاء لله فعبدوهم ليشفعوا لهم عند الله كما كانوا يقولون في الدنيا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله وكانوا بعبادة شركائهم كافرين ساترين.
قوله تعالى:"و يوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون - إلى قوله - محضرون"قال في المجمع: الروضة البستان المتناهي منظرا وطيبا.
انتهى.
وقال في المفردات: الحبر الأثر المستحسن - إلى أن قال - وقوله عز وجل:"في روضة يحبرون"أي يفرحون حتى يظهر عليهم حبار نعيمهم.
انتهى.
والمراد بتفرق الخلق يومئذ تميز المؤمنين الصالحين من المجرمين ودخول هؤلاء النار ودخول أولئك الجنة على ما يشير إليه الآيتان التاليتان.
ولزوم هذا التميز والتفرق في الوجود هو الذي أخذه الله سبحانه حجة على ثبوت المعاد حيث قال:"أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون: الجاثية: 21."
قوله تعالى:"فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون"لما ذكر أنه يبدأ الخلق ثم يعيدهم ويرجعهم للقائه فيفرقهم طائفتين: أهل الجنة والنعمة وأهل النار والعذاب ، أما أهل الجنة فهم المؤمنون العاملون للصالحات وأما أهل النار فهم الكفار المكذبون لآيات الله وقد ذكر أنهم كانوا في الدنيا أهل قوة ونعمة لكنهم نسوا الآخرة وكذبوا بآيات الله واستهزءوا بها حتى انتهى بهم الأمر إلى سوء العذاب عذاب الاستئصال جزاء لظلمهم أنفسهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
فتحصل من ذلك أن في دار الخلقة تدبيرا إلهيا متقنا صالحا جميلا على أجمل ما يكون وأن للإنسان على توالي الأزمنة والدهور آثاما وخطيئات من العقيدة السيئة في حق ربه واتخاذ شركاء له وإنكار لقائه إلى سائر المعاصي.
ذيل الكلام بتسبيحه كلما تجدد حين بعد حين وتحميده على صنعه وتدبيره في السماوات والأرض وهو مجموع العالم المشهود فهو سبحانه منزه عن هذه الاعتقادات الباطلة والأعمال الردية ومحمود في جميع ما خلقه ودبره في السماوات والأرض.
ومن هناك يظهر: أولا: أن التسبيح والتحميد في الآيتين إنشاء تنزيه وثناء منه تعالى لا من غيره حتى يكون المعنى: قولوا سبحان الله وقولوا الحمد لله فقد تكرر في كلامه تعالى تسبيحه وتحميده لنفسه كقوله:"سبحان ربك رب العزة": الصافات: 180 وقوله:"الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده": الفرقان: 1.
وثانيا: أن المراد بالتسبيح والتحميد معناهما المطلق دون الصلوات اليومية المفروضة كما يقول به أكثر القائلين بكون القول مقدرا.
والمعنى: قولوا سبحان الله وقولوا الحمد لله.
وثالثا: أن قوله:"و له الحمد في السماوات والأرض"معترضة واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وقوله:"و عشيا وحين تظهرون"معطوفان على محل"حين تمسون"لا على قوله:"في السماوات والأرض"حتى يختص المساء والصباح بالتسبيح والسماوات والأرض والعشي والظهيرة بالتحميد بل الأوقات وما فيها للتسبيح والأمكنة وما فيها للتحميد.
فالسياق يشير إلى أن ما في السماوات والأرض من خلق وأمر هو لله يستدعي بحسنه حمدا وثناء لله سبحانه وأن للإنسان على مر الدهور وتغير الأزمنة والأوقات من الشرك والمعصية ما يتنزه عنه ساحة قدسه تعالى وتقدس.