فهرس الكتاب

الصفحة 3323 من 4314

ثم إن العالم بأجزائها ليس بدائم الوجود غير منقطع الآخر حتى يحتمل كون كل جزء لاحق غاية للجزء السابق وكل آت خلفا لماضيه بل هو بأجزائه فان بائد فهناك غاية مقصودة من خلق العالم ستظهر بعد فناء العالم وهذا المعنى هو المراد بتقييد قوله:"ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما"بقوله:"و أجل مسمى"بعد تقييده بقوله:"إلا بالحق".

فقوله:"أ ولم يتفكروا في أنفسهم"الاستفهام للتعجيب ، وكونهم في أنفسهم استعارة كنائية عن فراغ البال وحضور الذهن كأنهم عند اشتغالهم بأمور الدنيا وسعيهم للمعيشة وتشوش البال يغيبون عن أنفسهم فيكونون عند حضور الذهن حاضرين مستقرين في أنفسهم فيكون تفكرهم حينئذ مجتمعا غير متفرق فيهديهم إلى الحق ويرشدهم إلى الواقع.

وقيل: المراد بتفكرهم في أنفسهم أن يتفكروا في خلق أنفسهم وأن الواحد منهم محدث والمحدث - بالفتح - يحتاج إلى محدث - بالكسر - قديم حي قادر عليم حكيم فلا يخلق ما يخلق عبثا بل لغاية مطلوبة وليست تعود إليه نفسه لغناء المطلق بل إلى الخلق وهو الثواب ولا يكون إلا لصالح العمل فلا بد من دين مشرع يميز العمل الصالح من السيىء فلا بد من دار يمتحنون فيها وهي الدنيا ودار يثابون فيها وهي الآخرة.

وفيه أن الجملة أعني قوله:"أ ولم يتفكروا في أنفسهم"صالح في نفسه لأن يراد منها هذا المعنى لكن اتصال قوله:"ما خلق الله السماوات"إلخ ، بها يأباه لاستلزامه بطلان الاتصال لعدم الارتباط بين صدر الآية وذيلها على هذا التقدير.

وقوله:"ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى"هو الفكر الذي يجب عليهم أن يمعنوا فيه النظر في أنفسهم وتقريره على ما تقدم أن الله سبحانه ما خلق هذا العالم كلا ولا بعضا إلا خلقا ملابسا للحق أو مصاحبا للحق أي لغاية حقيقية لا عبثا لا غاية له ولا إلى أجل معين فلا يبقى شيء منها إلى ما لا نهاية له بل يفنى وينقطع وإذا كان كل من أجزائه والمجموع مخلوقا ذا غاية تترتب عليها وليس شيء منها دائم الوجود كانت غايته مترتبة عليه بعد انقطاع وجوده وفنائه ، وهذا هو الآخرة التي ستظهر بعد انقضاء الدنيا وفنائها.

وقوله:"و إن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون"مسوق سوق التعجيب كما بدأت الآية باستفهام التعجيب ، والمراد بلقاء الله هو الرجوع إليه في المعاد ، وقد عبر عنه باللقاء ليزداد كفرهم به عجبا فكيف يمكن أن يبتدئوا منه ثم لا ينتهوا إليه ، ولذلك أكده بإن إشارة إلى أن الكفر بالمعاد من شأنه في نفسه أن لا يصدق به.

قوله تعالى:"أ ولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم"إلى آخر الآية ، لما ذكر كفر كثير من الناس بالمعاد وذلك أمر يلغو معه الدين الحق ذكرهم حال الأمم الكافرة وما انتهت إليه من سوء العذاب لعلهم يعتبرون بها فيرجعوا عما هم عليه من الكفر.

وإثارة الأرض قلبها ظهر البطن للحرث والتعمير ونحو ذلك.

وقوله:"و لكن كانوا أنفسهم يظلمون"أي بالكفر والمعاصي.

قوله تعالى:"ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوآى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون"بيان لما انتهى إليه أمر أولئك الظالمين ولذا عبر بثم ، و"عاقبة"بالنصب خبر كان واسمه"السوآى"قدم الخبر عليه لإفادة الحصر و"أساءوا"مقطوع عن المتعلق بمعنى عملوا السوء ، والسوآى الخلة التي يسوء صاحبها والمراد بها سوء العذاب و"أن كذبوا بآيات الله"بحذف لام التعليل والتقدير لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بها.

والمعنى: ثم كان سوء العذاب هو الذي انتهى إليه أمر أولئك الذين عملوا السوء لم تكن لهم عاقبة غيرها لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم بها.

وقيل: إن"السوآى"مفعول لقوله:"أساءوا"وخبر كان هو قوله:"أن كذبوا"إلخ ، والمراد أن المعاصي ساقتهم إلى الكفر بتكذيب آيات الله والاستهزاء بها.

وفيه: أنه في نفسه معنى صحيح لكن المناسب للمقام هو المعنى الأول لأن المقام مقام الاعتبار والإنذار والمناسب له بيان انتهاء معاصيهم إلى سوء العذاب لا انتهاء معاصيهم المتفرقة إلى التكذيب والاستهزاء الذي هو أعظمها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت