قوله تعالى:"و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم"الظرف متعلق بيفرح وكذا قوله"ينصر"والمعنى: ويوم إذ يغلب الروم يفرح المؤمنون بنصر الله الروم ، ثم استأنف وقال:"ينصر من يشاء"تقريرا لقوله:"لله الأمر من قبل ومن بعد".
وقوله:"و هو العزيز الرحيم"أي عزيز يعز بنصره من يشاء رحيم يخص برحمته من يشاء.
وفي الآية وجوه أخر ضعيفة ذكروها: منها: أن قوله"و يومئذ"عطف على قوله:"من قبل"والمراد به شمول سلطنته تعالى لجميع الأزمنة الثلاثة: الماضي والمستقبل والحال كأنه قيل: لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ ثم ابتداء وقيل: يفرح المؤمنون بنصر الله.
وفيه أنه يبطل انسجام الآية وينقطع به آخرها عن أولها.
ومنها: أن قوله:"بنصر"متعلق بقوله:"المؤمنون"دون"يفرح"ويدل بالملازمة المقامية أن غلبة الروم بنصر من الله.
وفيه أن لازمه أن يفرح المؤمنون يوم غلبة الفرس ويوم غلبة الروم جميعا فإن في الغلبة نصرا وكل نصر من الله قال تعالى:"و ما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم": آل عمران: 126 فقصر فرح المؤمنين بالنصر بيوم غلبة الروم ترجيح بلا مرجح فافهمه.
ومنها: أن المراد بنصر الله نصر المؤمنين على المشركين يوم بدر دون نصر الروم على الفرس وإن توافق النصران زمانا فكأنه قيل: إن الروم سيغلبون في بضع سنين ويوم يغلبون يغلب المؤمنون المشركين فيفرحون بنصر الله إياهم.
وفيه أن هذا المعنى لا يلائم قوله بعد:"ينصر من يشاء".
ومنها: أن المراد بالنصر نصر المؤمنين بصدق إخبارهم بغلبة الروم ، وقيل: النصر هو استيلاء بعض الكفار على بعض وتفرق كلمتهم وانكسار شوكتهم.
وهذان وما يشبههما وجوه لا يعبأ بها.
قوله تعالى:"وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون""وعد الله"مفعول مطلق محذوف العامل والتقدير وعد الله وعدا وإخلاف الوعد خلاف إنجازه وقوله:"وعد الله"تأكيد وتقرير للوعد السابق في قوله:"سيغلبون"و"يفرح المؤمنون"كما أن قوله:"لا يخلف الله وعده"تأكيد وتقرير لقوله:"وعد الله".
وقوله:"لا يخلف الله وعده"كقوله:"إن الله لا يخلف الميعاد": الرعد: 31 وخلف الوعد وإن لم يكن قبيحا بالذات لأنه ربما يحسن عند الاضطرار لكنه سبحانه لا يضطره ضرورة فلا يحسن منه خلف الوعد في حال.
على أن خلف الوعد يلازم النقص دائما ويستحيل النقص عليه تعالى.
على أنه تعالى أخبر في كلامه بأنه لا يخلف الميعاد وهو أصدق الصادقين وهو القائل عز من قائل:"و الحق أقول": ص: 84.
وقوله:"و لكن أكثر الناس لا يعلمون"أي هم جهلاء بشئونه تعالى لا يثقون بوعده ويقيسونه إلى أمثالهم ممن يصدق ويكذب وينجز ويخلف.
قوله تعالى:"يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون"جملة"يعلمون"على ما ذكره في الكشاف ، بدل من قوله:"لا يعلمون"وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه وجعله بحيث يقوم مقامه ويسد مسده ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا انتهى.
وقيل: الجملة استثنائية لبيان موجب جهلهم بأن وعد الله حق وأن لله الأمر من قبل ومن بعد وأنه ينصر المؤمنين على الكافرين.
انتهى وهذا أظهر.
وتنكير"ظاهرا"للتحقير وظاهر الحياة الدنيا ما يقابل باطنها وهو الذي يناله حواسهم الظاهرة من زينة الحياة فيرشدهم إلى اقتنائها والعكوف عليها والإخلاد إليها ونسيان ما وراءها من الحياة الآخرة والمعارف المتعلقة بها والغفلة عما فيه خيرهم ونفعهم بحقيقة معنى الكلمة.
وقيل: الظهور في الآية بمعنى الزوال واستشهد بقوله: وعيرها الواشون أني أحبها.
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها.
والمعنى: يعلمون أمرا زائلا لا بقاء له لكنه معنى شاذ الاستعمال.
قوله تعالى:"أ ولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى"إلخ المراد من خلق السماوات والأرض وما بينهما - وذلك جملة العالم المشهود - بالحق أنها لم تخلق عبثا لا غاية لها وراءها بأن يوجد ويعدم ثم يوجد ثم يعدم من غير غرض وغاية فهو تعالى إنما خلقها لغاية تترتب عليها.