أو يخافوا ضلالهم على هدى أنفسهم فيشتغلوا بهم وينسوا أنفسهم فيصيروا مثلهم فإنما الواجب على المؤمن هو الدعوة إلى ربه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالجملة الأخذ بالأسباب العادية ثم إيكال أمر المسببات إلى الله سبحانه فإليه الأمر كله ، فأما أن يهلك نفسه في سبيل إنقاذ الغير من الهلكة فلم يؤمر به ، ولا يؤاخذ بعمل غيره ، وما هو عليه بوكيل ، وعلى هذا فتصير الآية في معنى قوله تعالى:"فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ، إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ، وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا":"الكهف: 8"، وقوله تعالى:"و لو أن قرءانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أ فلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا":"الرعد: 31"ونحو ذلك.
وقد تبين بهذا البيان أن الآية لا تنافي آيات الدعوة وآيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الآية إنما تنهى المؤمنين عن الاشتغال بضلال الناس عن اهتداء أنفسهم وإهلاك أنفسهم في سبيل إنقاذ غيرهم وإنجائه.
على أن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شئون اشتغال المؤمن بنفسه وسلوكه سبيل ربه ، وكيف يمكن أن تنافي الآية آيات الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو تنسخها؟ وقد عدهما الله سبحانه من مشخصات هذا الدين وأسسه التي بني عليها كما قال تعالى:"قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني":"يوسف: 180"وقال تعالى:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر":"آل عمران: 101".
فعلى المؤمن أن يدعو إلى الله على بصيرة وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر على سبيل أداء الفريضة الإلهية وليس عليه أن يجيش ويهلك نفسه حزنا أو يبالغ في الجد في تأثير ذلك في نفوس أهل الضلال فذلك موضوع عنه.
وإذا كانت الآية قدرت للمؤمنين طريقا فيه اهتداؤهم ولغيرهم طريقا من شأنه ضلال سالكيه ، ثم أمر المؤمنين في قوله:"عليكم أنفسكم"بلزوم أنفسهم كان فيه دلالة على أن نفس المؤمن هو الطريق الذي يؤمر بسلوكه ولزومه فإن الحث على الطريق إنما يلائم الحث على لزومه والتحذير من تركه لا على لزوم سالك الطريق كما نشاهده في مثل قوله تعالى:"و أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله":"الأنعام: 135".
فأمره تعالى المؤمنين بلزوم أنفسهم في مقام الحث على التحفظ على طريق هدايتهم يفيد أن الطريق الذي يجب عليهم سلوكه ولزومه هو أنفسهم ، فنفس المؤمن هو طريقه الذي يسلكه إلى ربه وهو طريق هداه ، وهو المنتهى به إلى سعادته.
فالآية تجلي الغرض الذي تؤمه إجمالا آيات أخرى كقوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ، لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون":"الحشر: 20".
فالآيات تأمر بأن تنظر النفس وتراقب صالح عملها الذي هو زادها غدا وخير الزاد التقوى فللنفس يوم وغد وهي في سير وحركة على مسافة ، والغاية هو الله سبحانه وعنده حسن الثواب وهو الجنة فعليها أن تدوم على ذكر ربها ولا تنساه فإنه سبحانه هو الغاية ، ونسيان الغاية يستعقب نسيان الطريق فمن نسي ربه نسي نفسه ، ولم يعد لغده ومستقبل مسيره زادا يتزود به ويعيش باستعماله وهو الهلاك ، وهذا معنى ما رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : من عرف نفسه فقد عرف ربه.
وهذا المعنى هو الذي يؤيده التدبر التام والاعتبار الصحيح فإن الإنسان في مسير حياته إلى أي غاية امتدت لا هم له في الحقيقة إلا خير نفسه وسعادة حياته وإن اشتغل في ظاهر الأمر ببعض ما يعود نفعه إلى غيره ، قال تعالى:"إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها".