فهرس الكتاب

الصفحة 1216 من 4314

و ليس هناك إلا هذا الإنسان الذي يتطور طورا بعد طور ، ويركب طبقا عن طبق من جنين وصبي وشاب وكهل وشيخ ثم الذي يديم الحياة في البرزخ ثم يوم القيامة ثم ما بعده من جنة أو نار ، فهذه هي المسافة التي يقطعها الإنسان من موقفه في أول تكونه إلى أن ينتهي إلى ربه ، قال تعالى:"و أن إلى ربك المنتهى":"النجم: 42".

وهو الإنسان لا يطأ موطأ في مسيره ولا يسير ولا يسري إلا بأعمال قلبية هي الاعتقادات ونحوها وأعمال جوارحية صالحة ، أو طالحة وما أنتجه عمله يوما كان هو زاده غدا فالنفس هو طريق الإنسان إلى ربه ، والله سبحانه هو غايته في مسيره.

وهذا طريق اضطراري لا مناص للإنسان عن سلوكه كما يدل عليه قوله تعالى:"يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه":"الإنشقاق: 6"فهذا طريق ضروري السلوك يشترك فيه المؤمن والكافر والملتفت المتنبه والغافل العامة ، والآية لا تريد الحث على لزومه بمعنى البعث على سلوكه ممن لا يسلك.

وإنما تريد الآية تنبيه المؤمنين على هذه الحقيقة بعد غفلتهم عنها ، فإن هذه الحقيقة كسائر الحقائق التكوينية وإن كانت ثابتة غير متغيرة بالعلم والجهل لكن التفات الإنسان إليها يؤثر في عمله تأثيرا بارزا ، والأعمال التي تربي النفس الإنسانية تربية مناسبة لسنخها وإذا كان العمل ملائما لواقع الأمر مناسبا لغاية الصنع والإيجاد كانت النفس المستكملة بها سعيدة في جدها ، غير خائبة في سعيها ولا خاسرة في صفقتها ، وقد مر بيان ذلك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب بما لا يبقى معه ريب.

وتوضيح ذلك بما يناسب هذا المقام أن الإنسان كغيره من خلق الله سبحانه واقع تحت التربية الإلهية من دون أن يفوته تعالى شيء من أمره ، وقد قال تعالى:"ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم":"هود: 56"وهذه تربية تكوينية على حد ما يربي الله سبحانه غيره من الأمور ، في مسيرها جميعا إليه تعالى ، وقد قال:"ألا إلى الله تصير الأمور":"الشورى: 53"ولا يتفاوت الأمر ولا يختلف الحال في هذه التربية بين شيء وشيء فإن الصراط مستقيم ، والأمر متشابه مطرد ، وقد قال تعالى أيضا:"ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت":"الملك: 3".

وقد جعل سبحانه غاية الإنسان وما ينتهي إليه أمره ويستقر عليه عاقبته من حيث السعادة والشقاوة والفلاح والخيبة مبنية على أحوال وأخلاق نفسانية مبنية على أعمال من الإنسان تنقسم تلك الأعمال إلى صالحة وطالحة وتقوى وفجور كما قال تعالى:"و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها":"الشمس: 10"فالآيات - كما ترى - تضع النفس المسواة في جانب وهو مبدأ الحال ، والفلاح والخيبة في جانب وهو الغاية ومنتهى المسير ، ثم تبني الغايتين أعني الفلاح والخيبة على تزكية النفس وتدسيتها وذلك مرحلة الأخلاق ، ثم تبني الفضيلة والرذيلة على التقوى والفجور أعني الأعمال الصالحة والطالحة التي تنطق الآيات بأن الإنسان ملهم بها من جانب الله تعالى.

والآيات في بيانها لا تتعدى طور النفس بمعنى أنها تعتبر النفس هي المخلوقة المسواة وهي التي أضيف إليها الفجور والتقوى ، وهي التي تزكى وتدسى ، وهي التي يفلح فيها الإنسان ويخيب ، وهذا كما عرفت جري على مقتضى التكوين.

لكن هذه الحقيقة التكوينية أعني كون الإنسان في حياته سائرا في مسير نفسه لا يسعه التخطي عنها ولو بخطوة ، ولا تركها والخروج منها ولو لحظة ، لا يتساوى حال من تنبه له وتذكر به تذكرا لازما لا يتطرق إليه نسيان ، وحال من غفل عنه ونسي الواقع الذي لا مفر له منه ، وقد قال تعالى:"هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب":"الزمر: 9".

وقال تعالى:"فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ، ونحشره يوم القيامة أعمى ، قال ربي لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى":"طه: 162".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت