و ذلك أن المتنبه إلى هذه الحقيقة حيثما يلتفت إلى حقيقة موقفه من ربه ونسبته إلى سائر أجزاء العالم وجد نفسه منقطعة عن غيره وقد كان يجدها على غير هذا النعت ومضروبا دونها الحجاب لا يمسها بالإحاطة والتأثير إلا ربها المدبر لأمرها الذي يدفعها من ورائها ويجذبها إلى قدامها بقدرته وهدايته ، ووجدها خالية بربها ليس لها من دونه من وال ، وعند ذلك يفقه معنى قوله تعالى:"إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون"بعد قوله:"عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"ومعنى قوله تعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها":"الأنعام: 122".
وعند ذلك يتبدل إدراك النفس وشعورها ، ويهاجر من موطن الشرك إلى موقف العبودية ومقام التوحيد ولا يزال يعوض شركا من توحيد وتوهما من تحقق وبعدا من قرب واستكبارا شيطانيا من تواضع رحماني واستغناء وهميا من فقر عبودي إن أخذت بيدها العناية الإلهية وساقها سائق التوفيق.
ونحن وإن كان لا يسعنا أن نفقه هذه المعاني حق الفقه لمكان إخلادنا إلى الأرض واشتغالنا عن الغوص في أغوار هذه الحقائق التي يكشف عنها الدين ويشير إليها الكتاب الإلهي بما لا يعنينا من فضولات هذه الحياة الفانية التي لا يعرفها الكلام الإلهي في بيانه إلا بأنها لعب ولهو كما قال تعالى:"و ما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو":"الأنعام: 32"وقال تعالى:"ذلك مبلغهم من العلم":"النجم: 30".
إلا أن الاعتبار الصحيح والبحث البالغ والتدبر الوافي يوصلنا إلى التصديق بكلياتها إجمالا وإن قصرنا عن إحصاء التفاصيل والله الهادي.
ولعلنا خرجنا عن طور الاختصار فلنرجع إلى أول الكلام فنقول: وتسع الآية أن تحمل على الخطاب الاجتماعي بأن يكون المخاطب بقوله:"يا أيها الذين آمنوا"مجتمع المؤمنين فيكون المراد بقوله:"عليكم أنفسكم"هو إصلاح المؤمنين مجتمعهم الإسلامي باتخاذ صفة الاهتداء بالهداية الإلهية بأن يحتفظوا على معارفهم الدينية والأعمال الصالحة والشعائر الإسلامية العامة كما قال تعالى:"و اعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا":"آل عمران: 130"وقد تقدم في تفسيره أن المراد بهذا الاعتصام الاجتماعي الأخذ بالكتاب والسنة.
ويكون قوله:"لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"يراد به أنهم في أمن من إضرار المجتمعات الضالة غير الإسلامية فليس من الواجب على المسلمين أن يبالغوا الجد في انتشار الإسلام بين الطوائف غير المسلمة أزيد من الدعوة المتعارفة كما تقدم.
أو أنه لا يجوز لهم أن ينسلوا مما بأيديهم من الهدى من مشاهدة ما عليه المجتمعات الضالة من الانهماك في الشهوات والتمتع من مزايا العيش الباطلة فإن الجميع مرجعهم إلى الله فينبئهم بما كانوا يعملون ، وتجري الآية على هذا مجرى قوله تعالى:"لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ، متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد":"آل عمران: 179"، وقوله:"و لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا": طه: 113"."
وهنا معنى آخر لقوله:"لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"من جهة أن المنفي في الآية هو الإضرار المنسوب إلى نفس الضالين دون شيء معين من صفاتهم أو أعمالهم فتفيد الإطلاق ، ويكون المعنى نفي أن يكون الكفار ضارين للمجتمع الإسلامي بتبديله مجتمعا غير إسلامي بقوة قهرية فتكون الآية مسوقة سوق قوله تعالى:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون":"المائدة: 3"، وقوله:"لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار":"آل عمران: 111".
وقد ذكر جمع من مفسري السلف أن مفاد الآية هو الترخيص في ترك الدعوة الدينية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذكروا أن الآية خاصة تختص بزمان أو حال لا يوجد فيه شرط الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو الأمن من الضرر وقد رووا في ذلك روايات ستأتي الإشارة إليها في البحث الروائي الآتي.
ولازم هذا المعنى أن يكون قوله:"لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"كناية عن انتفاء التكليف أي لا تكليف عليكم في ذلك وإلا فتضرر المجتمع الديني من شيوع الضلال من كفر أو فسق مما لا يرتاب فيه ذو ريب.