قوله تعالى:"إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون"ضمائر الإفراد الثلاثة للشيطان أي ينحصر سلطان الشيطان في الذين يتخذونه وليا لهم يدبر أمورهم كما يريد ، وهم يطيعونه ، وفي الذين يشركون به إذ يتخذونه وليا من دون الله وربا مطاعا غيره فإن الطاعة عبادة كما يشير إليه قوله:"أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني": يس: 61.
وبذلك يظهر أولا: أن ذيل الآية يفسر صدرها ، وأن تولي من لم يأذن الله في توليه شرك بالله وعبادة لغيره.
وثانيا: أن لا واسطة بين التوكل على الله ، وتولي الشيطان وعبادته ، فمن لم يتوكل على الله فهو من أولياء الشيطان.
وربما قيل: إن ضمير الإفراد في قوله:"و الذين هم به مشركون"راجع إليه تعالى ، وتفيد الآية حينئذ أن سلطانه على طائفتين: المشركين والذين يتولونه من الموحدين هذا: ولزوم اختلاف الضمائر يدفعه.
قوله تعالى:"و إذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون"إشارة إلى النسخ وحكمته ، وجواب عما اتهموه (صلى الله عليه وآله وسلم) به من الافتراء على الله ، والظاهر من سياق الآيات أن القائلين هم المشركون وإن كانت اليهود هم المتصلبين في نفي النسخ ومن المحتمل أن تكون الكلمة مما تلقفه المشركون من اليهود فكثيرا ما كانوا يراجعونهم في أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وقوله:"و إذا بدلنا آية مكان آية"قال في المفردات: ، الإبدال والتبديل والتبدل والاستبدال جعل شيء مكان آخر ، وهو أعم من العوض فإن العوض هو أن يصير لك الثاني بإعطاء الأول ، والتبديل قد يقال للتغيير مطلقا وإن لم يأت ببدله قال تعالى:"فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم"- إلى أن قال - وقال - تعالى:"فمن بدله بعد ما سمعه""و إذا بدلنا آية مكان آية"و"بدلناهم بجنتيهم جنتين""ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة"انتهى موضع الحاجة.
فالتبديل بمعنى التغيير يخالف التبديل بمعناه المعروف في أن مفعوله الأول هو المأخوذ والمطلوب بخلافه بالمعنى المعروف فمعنى قوله:"و إذا بدلنا آية"مكان آية معناه وضعنا الآية الثانية مكان الأولى بالتغيير فكانت الثانية المبدلة هي الباقية المطلوبة.
وقوله:"و الله أعلم بما ينزل"كناية عن أن الحق لم يتعد مورده وأن الذين أنزله هو الحقيق بأن ينزل فإن الله أعلم به منهم ، والجملة حالية.
وقوله:"قالوا إنما أنت مفتر"القول للمشركين يخاطبون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتهمونه بأنه يفتري على الله الكذب فإن تبديل قول مكان قول ، والثبات على رأي ثم العدول عنه مما يتنزه عنه ساحة رب العزة.
وقد بالغوا في قولهم إذ لم يقولوا: افتريت في هذه التبديل والنسخ بل قالوا:"إنما أنت مفتر"فقصروه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الافتراء ، وأتوا بالجملة الاسمية وسموه مفتريا ، وقد بنوا ذلك على أن ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من سنخ واحد وهو يسند الجميع إلى ربه ويقول: إنما أنا نذير فإذا كان مفتريا في واحد كان مفتريا في الجميع فليس إلا مفتريا.
وقوله:"بل أكثرهم لا يعلمون"أي أكثر هؤلاء المشركين الذين يتهمونك بقولهم:"إنما أنت مفتر"لا يعلمون حقيقة هذا التبديل والحكمة المؤدية إليه على ما سينكشف في الجواب أن الأحكام الإلهية تابعة لمصالح العباد ومن المصالح ما يتغير بتغير الأوضاع والأحوال والأزمنة فمن الواجب أن يتغير الحكم بتغير مصلحته فينسخ الحكم الذي ارتفعت مصلحته الموجبة له بحكم آخر حدثت مصلحته.
فأكثر هؤلاء غافلون عن هذا الأمر وأما الأقل منهم فهم واقفون على حقيقة الأمر ولو إجمالا غير أنهم مستكبرون على الحق معاندون له وإنما يلقون القول إلقاء من غير رعاية جانب الحق.