فهرس الكتاب

الصفحة 2581 من 4314

و هذا العلم والقدرة الحديثان يمهدان له أن يرى الأشياء على ما هي عليها فيقسمها قسمين حق باق وباطل فان ، فيعرض بقلبه عن الباطل الفاني الذي هو الحياة الدنيا بزخارفها الغارة الفتانة ويعتز بعزة الله فلا يستذله الشيطان بوساوسه ولا النفس بأهوائها وهوساتها ولا الدنيا بزهرتها لما يشاهد من بطلان أمتعتها وفناء نعمتها.

ويتعلق قلبه بربه الحق الذي هو يحق كل حق بكلماته فلا يريد إلا وجهه ولا يحب إلا قربه ولا يخاف إلا سخطه وبعده ، يرى لنفسه حياة طاهرة دائمة مخلدة لا يدبر أمرها إلا ربه الغفور الودود ، ولا يواجهها في طول مسيرها إلا الحسن الجميل فقد أحسن كل شيء خلقه ، ولا قبيح إلا ما قبحه الله من معصيته.

فهذا الإنسان يجد في نفسه من البهاء والكمال والقوة والعزة واللذة والسرور ما لا يقدر بقدر ، وكيف لا؟ وهو مستغرق في حياة دائمة لا زوال لها ونعمة باقية لا نفاد لها ولا ألم فيها ولا كدورة تكدرها ، وخير وسعادة لا شقاء معها ، هذا ما يؤيده الاعتبار وينطق به آيات كثيرة من القرآن لا حاجة إلى إيرادها على كثرتها.

فهذه آثار حيوية لا تترتب إلا على حياة حقيقية غير مجازية ، وقد رتبها الله سبحانه على هذه الحياة التي يذكرها ويخصها بالذين آمنوا وعملوا الصالحات فهي حياة حقيقية جديدة يفيضها الله سبحانه عليهم.

وليست هذه الحياة الجديدة المختصة بمنفصلة عن الحياة القديمة المشتركة وإن كانت غيرها فإنما الاختلاف بالمراتب لا بالعدد فلا يتعدد بها الإنسان ، كما أن الروح القدسية التي يذكرها الله سبحانه للأنبياء لا توجب لهم إلا ارتفاع الدرجة دون تعدد الشخصية.

هذا ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة وهو حقيقة قرآنية وبه يظهر وجه توصيفها بالطيب في قوله:"حياة طيبة"كأنها - كما اتضح - حياة خالصة لا خبث فيها يفسدها في نفسها أو في أثرها.

وللمفسرين في الآية وجوه من التفسير: منها: أن الحياة الطيبة هي الحياة التي تكون في الجنة فلا موت فيها ولا فقر ولا سقم ولا أي شقاء آخر.

ومنها: أنها الحياة التي تكون في البرزخ ولعل التخصيص من حمل ذيل الآية على جنة الآخرة.

ومنها: أنها الحياة الدنيوية المقارنة للقناعة والرضا بما قسم الله سبحانه فإنها أطيب الحياة.

ومنها: أنها الرزق الحلال إذ لا عقاب عليه.

ومنها: أنها رزق يوم بيوم.

ووجوه المناقشة فيها لا تكاد تخفى على الباحث المتدبر فلا نطيل بإيرادها.

وقوله:"و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون"تقدم الكلام فيه في الآية السابقة ، وفي معنى الآية قوله تعالى:"و من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب": المؤمن: 40.

قوله تعالى:"فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم"الاستعاذة طلب المعاذ ، والمعنى: إذا قرأت القرآن فاطلب منه تعالى ما دمت تقرؤه أن يعيذك من الشيطان الرجيم أن يغويك ، فالاستعاذة المأمور بها حال نفس القارىء ما دام يقرأ وقد أمر أن يوجدها لنفسه ما دام يقرأ ، وأما قول القارىء: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أو ما يشابهه من اللفظ فهو سبب لإيجاد معنى الاستعاذة في النفس وليس بنفسها إلا بنوع من المجاز ، وقد قال سبحانه: استعذ بالله ، ولم يقل: قل أعوذ بالله.

وبذلك يظهر أن قول بعضهم: إن المراد بالقراءة إرادتها فهي مجاز مرسل من قبيل إطلاق المسبب وإرادة السبب لا يخلو عن تساهل.

قوله تعالى:"إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون"في مقام التعليل للأمر الوارد في الآية السابقة أي استعذ بالله حين القراءة ليعيذك منه لأنه ليس له سلطان على من آمن بالله وتوكل عليه.

ويظهر من الآية أولا: أن الاستعاذة بالله توكل عليه فإنه سبحانه بدل الاستعاذة في التعليل من التوكل ونفى سلطانه عن المتوكلين.

وثانيا: أن الإيمان والتوكل ملاك صدق العبودية كقوله تعالى لإبليس:"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين": الحجر: 42 ، فنفى سلطانه عن عباده وقد بدل العباد في هذه الآية من الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ، والاعتبار يساعد عليه فإن التوكل وهو إلقاء زمام التصرف في أمور نفسه إلى غيره والتسليم لما يؤثره له منها أخص آثار العبودية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت