فهرس الكتاب

الصفحة 2580 من 4314

بل المراد بذلك أن العمل الذي يأتون به وله في نوعه ما هو حسن وما هو أحسن فالله سبحانه يجزيه من الأجر على ما أتى به ما هو أجر الفرد الأحسن من نوعه فالصلاة التي يصليها الصابر في الله يجزيه الله سبحانه لها أجر الفرد الأحسن من الصلاة وإن كانت ما صلاها غير أحسن وبالحقيقة يستدعي الصبر أن لا يناقش في العمل ولا يحاسب ما هو عليه من الخصوصيات المقتضية لخسته ورداءته كما يفيده قوله تعالى:"إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب".

ويستفاد من الآية أن الصبر في الله يوجب كمال العمل وفي قوله:"و لنجزينهم"إلخ ، التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير كما قيل ، والذي أظنه أنه رجوع إلى السياق السابق في الآيات وكان سياق التكلم مع الغير ، وإنما الالتفات في قوله تعالى قبل بضع آيات:"إن الله يأمر بالعدل والإحسان"والوجه فيه أن هذه الآية وما بعدها من الآيات المسرودة إلى هذه الغاية مشتملة على عدة من الأوامر والنواهي الإلهية ، والأنسب بالأمر والنهي أن يستندا إلى أعظم مقامات مصدرهما وأقواها ليتأيدا بذلك ، وهذه صناعة معمولة في المحاورات فيقال: إن الملك يأمر بكذا وإن مولاك يقول لك كذا ، ولا يقال: فلان بن فلان يأمر أو يقول.

فكان من الأنسب أن يسند هذه التكاليف إلى مقام الجلالة ، ويقال بالالتفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة:"إن الله يأمر بالعدل والإحسان"إلخ.

ولذلك استمر السياق على هذا النسق في التكاليف التالية أيضا فقيل:"و أوفوا بعهد الله"إلخ ،"إنما يبلوكم الله"إلخ ،"و لو شاء الله"إلخ ،"و لا تشتروا بعهد الله"إلخ ،"و ما عند الله باق".

ثم رجع إلى السياق السابق وهو التكلم مع الغير فقال:"و لنجزين الذين صبروا"وجرى على ذلك حتى إذا بلغ قوله:"فإذا قرأت القرآن"وهو حكم التفت ثانيا فقال:"فاستعذ بالله"وأحسن ما يجلي المعنى الذي ذكرناه قوله تعالى بعده:"و إذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل"حيث جمع بين الأمرين فأسند تبديل آية مكان آية إلى ضمير التكلم والأعلمية إلى الله عز اسمه.

قوله تعالى:"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة"إلى آخر الآية.

وعد جميل للمؤمنين إن عملوا عملا صالحا وبشرى للإناث أن الله لا يفرق بينهن وبين الذكور في قبول إيمانهن ولا أثر عملهن الصالح الذي هو الإحياء بحياة طيبة والأجر بأحسن العمل على الرغم مما بنى عليه أكثر الوثنية وأهل الكتاب من اليهود والنصارى من حرمان المرأة من كل مزية دينية أو جلها وحط مرتبتها من مرتبة الرجل ووضعها وضعا لا يقبل الرفع البتة.

فقوله:"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن"حكم كلي من قبيل ضرب القاعدة لمن عمل صالحا أي من كان وقد قيده بكونه مؤمنا وهو في معنى الاشتراط فإن العمل ممن ليس مؤمنا حابط لا يترتب عليه أثر ، كما قال تعالى:"و من يكفر بالإيمان فقد حبط عمله": المائدة: 5 ، وقال:"و حبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون": هود: 16.

وقوله:"فلنحيينه حياة طيبة"الإحياء إلقاء الحياة في الشيء وإفاضتها عليه فالجملة بلفظها دالة على أن الله سبحانه يكرم المؤمن الذي يعمل صالحا بحياة جديدة غير ما يشاركه سائر الناس من الحياة العامة ، وليس المراد به تغيير صفة الحياة فيه وتبديل الخبيثة من الطيبة مع بقاء أصل الحياة على ما كانت عليه ، ولو كان كذلك لقيل: فلنطيبن حياته.

فالآية نظيرة قوله:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس": الأنعام: 122 ، وتفيد ما يفيده من تكوين حياة ابتدائية جديدة.

وليس من التسمية المجازية لأن الآيات المتعرضة لهذا الشأن ترتب عليه آثار الحياة الحقيقية كقوله تعالى:"أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه": المجادلة: 22 ، وكقوله في آية الأنعام المنقولة آنفا:"و جعلنا له نورا يمشي به في الناس"فإن المراد بهذا النور العلم الذي يهتدي به الإنسان إلى الحق في الاعتقاد والعمل قطعا.

وكما أن له من العلم والإدراك ما ليس لغيره كذلك له من موهبة القدرة على إحياء الحق وإماطة الباطل ما ليس لغيره ، وقد قال سبحانه:"و كان حقا علينا نصر المؤمنين": الروم: 47 ، وقال:"من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون": المائدة: 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت