و في عدة من الروايات التي روتها العامة والخاصة في قوله تعالى: أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها الآية أن صاحب القصة أرميا النبي ، وفي عدة منها: أنها عزير ، إلا أنها آحاد غير واجبة القبول ، وفي أسانيدها بعض الضعف ، ولا شاهد لها من ظاهر الآيات ، والقصة غير مذكورة في التوراة ، والتي في الروايات من القصة طويلة فيها بعض الاختلاف لكنها خارجة عن غرضنا من أرادها فليرجع إلى مظانها.
وفي المعاني ، عن الصادق (عليه السلام) : في قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى الآية: في حديث قال (عليه السلام) : وهذه آية متشابهة ، ومعناها أنه سأل عن الكيفية والكيفية من فعل الله عز وجل ، متى لم يعلمها العالم لم يلحقه عيب ، ولا عرض في توحيده نقص ، الحديث.
أقول: وقد اتضح معنى الحديث مما مر.
وفي تفسير العياشي ، عن علي بن أسباط: أن أبا الحسن الرضا (عليه السلام) سئل عن قول الله: قال بلى ولكن ليطمئن قلبي أ كان في قلبه شك قال لا ولكن أراد من الله الزيادة ، الحديث.
أقول: وروي هذا المعنى في الكافي ، عن الصادق وعن العبد الصالح (عليه السلام) وقد مر بيانه.
وفي تفسير القمي ، عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) ، قال: إن إبراهيم نظر إلى جيفة على ساحل البحر تأكلها سباع البحر ، ثم يثب السباع بعضها على بعض فيأكل بعضها ، بعضا فتعجب إبراهيم فقال: يا رب أرني كيف تحيي الموتى؟ فقال الله: أ ولم تؤمن؟ قال بلى - ولكن ليطمئن قلبي قال: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك - ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن - يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ، فأخذ إبراهيم الطاووس والديك والحمام والغراب ، فقال الله عز وجل: فصرهن إليك أي قطعهن ثم اخلط لحمهن ، وفرقهن على عشرة جبال ، ثم دعاهن فقال: أحيي بإذن الله فكانت تجتمع وتتألف لحم كل واحد وعظمه إلى رأسه ، فطارت إلى إبراهيم ، فعند ذلك قال إبراهيم إن الله عزيز حكيم.
أقول: وروى هذا المعنى العياشي في تفسيره ، عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) ، وروي من طرق أهل السنة عن ابن عباس.
قوله: إن إبراهيم نظر إلى جيفة إلى قوله فقال: يا رب أرني إلخ ، بيان للشبهة التي دعته إلى السؤال وهي تفرق أجزاء الجسد بعد الموت تفرقا يؤدي إلى تغيرها وانتقالها إلى أمكنة مختلفة وحالات متنوعة لا يبقى معها من الأصل شيء.
فإن قلت: ظاهر الرواية: أن الشبهة كانت هي شبهة الآكل والمأكول ، حيث اشتملت على وثوب بعضها على بعض ، وأكل بعضها بعضا ، ثم فرعت على ذلك تعجب إبراهيم وسؤاله.
قلت: الشبهة شبهتان - إحداهما - تفرق أجزاء الجسد وفناء أصلها من الصور والأعراض وبالجملة عدم بقائها حتى تتميز وتركبها الحياة - وثانيتهما - صيرورة أجزاء بعض الحيوان جزءا من بدن بعض آخر فيؤدي إلى استحالة إحياء الحيوانين ببدنيهما تامين معا لأن المفروض أن بعض بدن أحدهما بعينه بعض لبدن الآخر ، فكل واحد منهما أعيد تاما بقي الآخر ناقصا لا يقبل الإعادة ، وهذه هي شبهة الآكل والمأكول.
وما أجاب الله سبحانه به - وهو تبعية البدن للروح - وإن كان وافيا لدفع الشبهتين جميعا ، إلا أن الذي أمر به إبراهيم على ما تحكيه الآية لا يتضمن مادة شبهة الآكل والمأكول ، وهو أكل بعض الحيوان بعضا ، بل إنما تشتمل على تفرق الأجزاء واختلاطها وتغير صورها وحالاتها ، وهذه مادة الشبهة الأولى ، فالآية إنما تتعرض لدفعها وإن كانت الشبهتان مشتركتين في الاندفاع بما أجيب به في الآية كما مر ، وما اشتملت عليه الرواية من أكل البعض للبعض غير مقصود في تفسير الآية.