و قوله: والصاحب بالجنب هو الذي يصاحبك ملازما لجنبك ، وهو بمفهومه يعم مصاحب السفر من رفقة الطريق ومصاحب الحضر والمنزل وغيرهم ، وقوله: وابن السبيل هو الذي لا يعرف من حاله إلا أنه سالك سبيل كأنه ليس له من ينتسب إليه إلا السبيل فهو ابنه ، وأما كونه فقيرا ذا مسكنة عادما لزاد أو راحلة فكأنه خارج من مفهوم اللفظ ، وقوله: وما ملكت أيمانكم المراد به العبيد والإماء بقرينة عده في عداد من يحسن إليهم ، وقد كثر التعبير عنهم بما ملكته الأيمان دون من ملكته.
قوله تعالى:"إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا"المختال التائه المتبختر المسخر لخياله ، ومنه الخيل للفرس لأنه يتبختر في مشيته ، والفخور كثير الفخر ، والوصفان أعني الاختيال وكثرة الفخر من لوازم التعلق بالمال والجاه ، والإفراط في حبهما ، ولذلك لم يكن الله ليحب المختال الفخور لتعلق قلبه بغيره تعالى ، وما ذكره تعالى في تفسيره بقوله: الذين يبخلون إلخ وقوله: والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس إلخ يبين كون الطائفتين معروضتين للخيلاء والفخر: فالطائفة الأولى متعلقة القلب بالمال ، والثانية بالجاه وإن كان بين الجاه والمال تلازم في الجملة.
وكان من طبع الكلام أن يشتغل بذكر أعمالهما من البخل والكتمان وغيرهما لكن بدأ بالوصفين ليدل على السبب في عدم الحب كما لا يخفى.
قوله تعالى:"الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل"الآية أمرهم الناس بالبخل إنما هو بسيرتهم الفاسدة وعملهم به سواء أمروا به لفظا أو سكتوا فإن هذه الطائفة لكونهم أولي ثروة ومال يتقرب إليهم الناس ويخضعون لهم لما في طباع الناس من الطمع ففعلهم آمر وزاجر كقولهم ، وأما كتمانهم ما آتاهم الله من فضله فهو تظاهرهم بظاهر الفاقد المعدم للمال لتأذيهم من سؤال الناس ما في أيديهم ، وخوفهم على أنفسهم لو منعوا وخشيتهم من توجه النفوس إلى أموالهم ، والمراد بالكافرين الساترون لنعمة الله التي أنعم بها ، ومنه الكافر المعروف لستره على الحق بإنكاره.
قوله تعالى:"و الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس"، إلخ أي لمراءاتهم ، وفي الآية دلالة على أن الرئاء في الإنفاق - أو هو مطلقا - شرك بالله كاشف عن عدم الإيمان به لاعتماد المرائي على نفوس الناس واستحسانهم فعله ، وشرك من جهة العمل لأن المرائي لا يريد بعمله ثواب الآخرة ، وإنما يريد ما يرجوه من نتائج إنفاقه في الدنيا ، وعلى أن المرائي قرين الشيطان وساء قرينا.
قوله تعالى:"و ما ذا عليهم لو آمنوا"الآية ، استفهام للتأسف أو التعجب ، وفي الآية دلالة على أن الاستنكاف عن الإنفاق في سبيل الله ناش من فقدان التلبس بالإيمان بالله وباليوم الآخر حقيقة وإن تلبس به ظاهرا.
وقوله:"و كان الله بهم عليما"تمهيد لما في الآية التالية من البيان ، والأمس لهذه الجملة بحسب المعنى أن تكون حالا.
قوله تعالى:"إن الله لا يظلم مثقال ذرة"الآية.
المثقال هو الزنة ، والذرة هو الصغير من النمل الأحمر ، أو هو الواحد من الهباء المبثوث في الهواء الذي لا يكاد يرى صغرا.
وقوله: مثقال ذرة نائب مناب المفعول المطلق أي لا يظلم ظلما يعدل مثقال ذرة وزنا.
وقوله: وإن تك حسنة ، قرىء برفع حسنة وبنصبها فعلى تقدير الرفع كان تامة ، وعلى تقدير النصب تقديره: وإن تكن المثقال المذكور حسنة يضاعفها ، وتأنيث الضمير في قوله: إن تك إما من جهة تأنيث الخبر أو لكسب المثقال التأنيث بالإضافة إلى ذرة.
والسياق يفيد أن تكون الآية بمنزلة التعليل للاستفهام السابق ، والتقدير: ومن الأسف عليهم أن لم يؤمنوا ولم ينفقوا فإنهم لو آمنوا وأنفقوا والله عليم بهم لم يكن الله ليظلمهم في مثقال ذرة أنفقوها بالإهمال وترك الجزاء ، وإن تك حسنة يضاعفها.
والله أعلم.
قوله تعالى:"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد"الآية.
قد تقدم بعض الكلام في معنى الشهادة على الأعمال في تفسير قوله تعالى: لتكونوا شهداء على الناس:"البقرة: 143"من الجزء الأول من هذا الكتاب ، وسيجيء بعض آخر في محله المناسب له.
قوله تعالى:"يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول"الآية.