فهرس الكتاب

الصفحة 2709 من 4314

و أما الآية التي نحن فيها أعني قوله:"قل لو كان في الأرض ملائكة"إلخ فإنها تزيد على ما مر من معنى البرهان بشيء وهو أن إلقاء الوحي إلى البشر يجب أن يكون بنزول ملك من السماء إليهم.

وذلك أن محصل مضمون الآية وما قبلها هو أن الذي يمنع الناس أن يؤمنوا برسالتك أنهم يحيلون رسالة البشر من جانب الله سبحانه.

وقد أخطئوا في ذلك فإن مقتضى الحياة الأرضية وعناية الله بهداية عباده أن ينزل إلى بعضهم ملكا من السماء رسولا حتى أن الملائكة لو كانوا كالإنسان عائشين في الأرض لنزل الله إلى بعضهم وهو رسولهم ملكا من السماء رسولا حاملا لوحيه.

وهذا كما ترى يعطي أولا: معنى الرسالة البشرية وهو أن الرسول إنسان ينزل عليه ملك من السماء بدين الله ثم هو يبلغه الناس بأمر الله.

ويشير ثانيا: إلى برهان الرسالة أن حياة الإنسان الأرضية والعناية الربانية متعلقة بهداية عباده وإيصالهم إلى غاياتهم لا غنى لها عن نزول دين سماوي عليهم ، والملائكة وسائط نزول البركات السماوية إلى الأرض فلا محالة ينزل الدين على الناس بوساطة الملك وهو رسالته ، والذي يشاهده ويتلقى ما ينزل به - ولا يكون إلا بعض الناس لا جميعهم لحاجته إلى طهارة باطنية وروح من أمر الله - هو الرسول البشري.

وكان المترقب من السياق أن يقال:"لبعث الله فيهم ملكا رسولا"بحذاء قولهم المحكي في الآية السابقة:"أ بعث الله بشرا رسولا"لكنه عدل إلى مثل قوله:"لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا"ليكون أولا أحسم للشبهة وأقطع للتوهم فإن عامة الوثنيين من البرهمانية والبوذية والصابئة كما يشهد به ما في كتبهم المقدسة لا يتحاشون ذاك التحاشي عن النبوة بمعنى انبعاث بشر كامل لتكميل الناس ويعبرون عنه بظهور المنجي أو المصلح ونزول الإله إلى الأرض وظهوره على أهلها في صورة موجود أرضي وكان بوذه ويوذاسف - على ما يقال - منهم والمعبود عندهم على أي حال هو الملك أو الجن أو الإنسان المستغرق فيه دون الله سبحانه.

وإنما يمتنعون كل الامتناع عن رسالة الملك وهو من الآلهة المعبودين عندهم إلى البشر بدين يعبد فيه الله وحده وهو إله غير معبود عندهم ففي التصريح برسالة الملك السماوي إلى البشر الأرضي من عند الله النص على كمال المخالفة لهم.

وليكون ثانيا إشارة إلى أن رسالة الملك بالحقيقة إلى عامة الإنسان غير أن الذي يصلح لتلقي الوحي منه هو الرسول منهم ، وأما غيره فهم محرومون عن ذلك لعدم استعدادهم لذلك فالفيض عام وإن كان المستفيض خاصا قال تعالى:"و ما كان عطاء ربك محظورا": أسرى: 20 ، وقال:"قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته": الأنعام: 124.

والآية بما تعطي من معنى الرسالة يؤيد ما ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في الفرق بين الرسول والنبي أن الرسول هو الذي يرى الملك ويسمع منه والنبي يرى المنام ولا يعاين ، وقد أوردنا بعض هذه الأخبار في خلال أبحاث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب.

ومن ألطف التعبير في الآية وأوجزه تعبيره عن الحياة الأرضية بقوله:"في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين"فإن الانتقال المكاني على الأرض مع الوقوع تحت الجاذبة الأرضية من أوضح خواص الحياة المادية الأرضية.

قوله تعالى:"قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا"لما احتج عليهم بما احتج وبين لهم ما بين في أمر معجزة رسالته وهي القرآن الذي تحدى به وهم على عنادهم وجحودهم وعنتهم لا يعتنون به ويقترحون عليه بأمور جزافية أخرى ولا يحترمون لحق ولا ينقطعون عن باطل أمر أن يرجع الأمر إلى شهادة الله فهو شهيد بما وقع منه ومنهم فقد بلغ ما أرسل به ودعا واحتج وأعذر وقد سمعوا وتمت عليهم الحجة واستكبروا وعتوا فالكلام في معنى إعلام قطع المحاجة وترك المخاصمة ورد الأمر إلى مالك الأمر فليقض ما هو قاض.

وقيل المراد بالآية الاستشهاد بالله سبحانه على حقية الدعوة وصحة الرسالة كأنه يقول: كفاني حجة أن الله شهيد على رسالتي فهذا كلامه يصرح بذلك فإن قلتم: ليس بكلامه بل مما افتريته فأتوا بمثله ولن تأتوا بمثله ولو كان الثقلان أعوانا لكم وأعضادا يمدونكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت