فهرس الكتاب

الصفحة 2708 من 4314

و ثالثا: أن اشتمال الآثار على أنهم إنما سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسأل ربه الإتيان بتلك الآيات من غير أن يسألوه نفسه أن يأتي بها ، لا يعارض نص الكتاب بخلافه ، والذي حكاه الله عنهم أنهم قالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا"إلخ"فتفجر الأنهار"إلخ"أو تسقط السماء"إلخ"وهذا من عجيب المغالاة في حق الآثار وتحكيمها على كتاب الله وتقديمها عليه حتى في صورة المخالفة.

ورابعا: أن إباء الذوق السليم عن تجويز كون"رسولا"خبرا بعد خبر لا يظهر له وجه.

قوله تعالى:"و ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أ بعث الله بشرا رسولا"الاستفهام في قوله:"أ بعث الله بشرا رسولا"للإنكار ، وجملة"قالوا أ بعث الله""إلخ"حكاية حالهم بحسب الاعتقاد وإن لم يتكلموا بهذه الكلمة بعينها.

وإنكار النبوة والرسالة مع إثبات الإله من عقائد الوثنية ، وهذه قرينة على أن المراد بالناس الوثنيون ، والمراد بالإيمان الذي منعوه هو الإيمان بالرسول.

فمعنى الآية وما منع الوثنيين - وكانت قريش وعامة العرب يومئذ منهم - أن يؤمنوا بالرسالة - أو برسالتك - إلا إنكارهم لرسالة البشر ، ولذلك كانوا يردون على رسلهم دعوتهم - كما حكاه الله - بمثل قولهم:"لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون": حم السجدة: 14.

قوله تعالى:"قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا"أمر سبحانه رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يرد عليهم قولهم وإنكارهم لرسالة البشر ونزول الوحي بأن العناية الإلهية قد تعلقت بهداية أهل الأرض ولا يكون ذلك إلا بوحي سماوي لا من عند أنفسهم فالبشر القاطنون في الأرض لا غنى لهم عن وحي سماوي بنزول ملك رسول إليهم ويختص بذلك نبيهم.

وهذه خاصة الحياة الأرضية والعيشة المادية المفتقرة إلى هداية إلهية لا سبيل إليها إلا بنزول الوحي من السماء حتى لو أن طائفة من الملائكة سكنوا الأرض وأخذوا يعيشون عيشة أرضية مادية لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا كما ننزل على البشر ملكا رسولا.

والعناية في الآية الكريمة.

كما ترى - متعلقة بجهتين إحداهما كون الحياة أرضية مادية ، والأخرى كون الهداية الواجبة بالعناية الإلهية بوحي نازل من السماء برسالة ملك من الملائكة.

والأمر على ذلك فهاتان الجهتان أعني كون حياة النوع أرضية مادية ووجوب هدايتهم بواسطة سماوية وملك علوي هما المقدمتان الأصليتان في البرهان على وجود الرسالة ولزومها.

وأما ما أصر عليه المفسرون من تقييد معنى الآية بوجوب كون الرسول من جنس المرسل إليهم ومن أنفسهم كالإنسان للإنسان والملك للملك فليس بتلك الأهمية ، ولذلك لم يصرح به في الآية الكريمة.

وذلك أن كون الرسول إلى البشر وهو الذي يعلمهم ويربيهم من أنفسهم من لوازم كون حياتهم أرضية ، وكون الوحي النازل عليهم بواسطة الملك السماوي فإن اختلاف أفراد النوع المادية بالسعادة والشقاء والكمال والنقص وطهارة الباطن وقذارته ضروري والملك الملقي للوحي وما تحمله منه طاهر زكي لا يمسه إلا المطهرون ، فالملك النازل بالوحي وإن نزل على النوع لكن لا يمسه إلا آحاد منهم مطهرون من قذارات المادة وألواثها مقدسون من مس الشيطان وهم الرسل (عليهم السلام) .

وتوضيح المقام: أن مقتضى العناية الإلهية هداية كل نوع من أنواع الخليقة إلى كماله وسعادته ، والإنسان الذي هو أحد هذه الأنواع غير مستثنى من هذه الكلية ، ولا تتم سعادته في الحياة إلا بأن يعيش عيشة اجتماعية تحكم فيها قوانين وسنن تضمن سعادة حياته في الدنيا وبعدها ، وترفع الاختلافات الضرورية الناشئة بين الأفراد ، وإذ كانت حياته حياة شعورية فلا بد أن يجهز بما يتلقى به هذه القوانين والسنن ولا يكفي في ذلك ما جهز به من العقل المميز بين خيره وشره فإن العقل بعينه يهديه إلى الاختلاف فلا بد أن يجهز بشعور آخر يتلقى به ما يفيضه الله من المعارف والقوانين الرافعة للاختلاف الضامنة لسعادته وكماله وهو شعور الوحي والإنسان المتلبس به هو النبي.

وهذا برهان عقلي تام مأخوذ من كلامه وقد أوردناه وفصلنا القول فيه في مباحث النبوة من الجزء الثاني وفي ضمن قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت