و المعنى"و قالوا"أي قالت قريش"لن نؤمن لك"يا محمد"حتى تفجر"وتشق"لنا من الأرض"أرض مكة لقلة مائها"ينبوعا"عينا لا ينضب ماؤها"أو تكون"بالإعجاز"لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار"أي تشقها أو تجريها"خلالها"أي وسط تلك الجنة وأثناءها"تفجيرا""أو تسقط السماء كما زعمت"أي مماثلا لما زعمت يشيرون 1 به إلى قوله تعالى:"أو نسقط عليهم كسفا من السماء": السبا: 9"علينا كسفا"وقطعا"أو تأتي بالله والملائكة قبيلا"مقابلا نعاينهم ونشاهدهم"أو يكون لك بيت من زخرف"وذهب"أو ترقى"وتصعد"في السماء ولن نؤمن لرقيك"وصعودك"حتى تنزل علينا"منها"كتابا نقرؤه"ونتلوه.
قوله تعالى:"قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا"فيه أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيب عما اقترحوه عليه وينبههم على جهلهم ومكابرتهم فيما لا يخفى على ذي نظر فإنهم سألوه أمورا عظاما لا يقوى على أكثرها إلا القدرة الغيبية الإلهية وفيها ما هو مستحيل بالذات كالإتيان بالله والملائكة قبيلا ، ولم يرضوا بهذا المقدار ولم يقنعوا به دون أن جعلوه هو المسئول المتصدي لذلك المجيب لما سألوه فلم يقولوا لن نؤمن لك حتى تسأل ربك أن يفعل كذا وكذا بل قالوا:"لن نؤمن لك حتى تفجر"إلخ"أو تكون لك إلخ"أو تسقط السماء"إلخ"أو تأتي بالله"إلخ"أو يكون لك"إلخ"أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه.
فإن أرادوا منه ذلك بما أنه بشر فأين البشر من هذه القدرة المطلقة غير المتناهية المحيطة حتى بالمحال الذاتي ، وإن أرادوا منه ذلك بما أنه يدعي الرسالة فالرسالة لا تقتضي إلا حمل ما حمله الله من أمره وبعثه لتبليغه بالإنذار والتبشير لا تفويض القدرة الغيبية إليه وإقداره أن يخلق كل ما يريد ، ويوجد كل ما شاءوا ، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يدعي لنفسه ذلك فاقتراحهم ما اقترحوه مع ظهور الأمر من عجيب الاقتراح.
ولذلك أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبادر في جوابهم أولا إلى تنزيه ربه مما يلوح إليه اقتراحهم هذا من المجازفة وتفويض القدرة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا يبعد أن يستفاد منه التعجب فالمقام صالح لذلك.
وثانيا: إلى الجواب بقوله في صورة الاستفهام:"هل كنت إلا بشرا رسولا"وهو يؤيد كون قوله:"سبحان ربي"واقعا موقع التعجب أي إن كنتم اقترحتم على هذه الأمور وطلبتموها مني بما أنا محمد فإنما أنا بشر ولا قدرة للبشر على شيء من هذه الأمور ، وإن كنتم اقترحتموها لأني رسول أدعي الرسالة فلا شأن للرسول إلا حمل الرسالة وتبليغها لا تقلد القدرة الغيبية المطلقة.
وقد ظهر بهذا البيان أن كلا من قوله:"بشرا"و"رسولا"دخيل في استقامة الجواب عن اقتراحهم أما قوله:"بشرا"فليرد به اقتراحهم عليه أن يأتي بهذه الآيات عن قدرته في نفسه ، وأما قوله:"رسولا"فليرد به اقتراح إيتائها عن قدرة مكتسبة من ربه.
وذكر بعضهم ما محصله أن معتمد الكلام هو قوله:"رسولا"وقوله:"بشرا"توطئة له ردا لما أنكروه من جواز كون الرسول بشرا ، ودلالة على أن من قبله من الرسل كانوا كذلك ، والمعنى على هذا هل كنت إلا بشرا رسولا كسائر الرسل وكانوا لا يأتون إلا بما أجراه على أيديهم من غير أن يفوض إليهم أو يتحكموا على ربهم بشيء.
قال: وجعل"بشرا"و"رسولا"كليهما معتمدين مخالف لما يظهر من الآثار أولا فإن الذي ورد في الآثار أنهم سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسأل ربه أن يفعل كذا وكذا ، ولم يسألوه أن يأتيهم بشيء من قبل نفسه حتى يشار إلى رده بإثبات بشريته ، ومستلزم لكون رسولا خبرا بعد خبر وكونهما خبرين لكان يأباه الذوق السليم.
انتهى محصلا.
وفيه أولا: أن أخذ قوله:"بشرا"ردا على زعمهم عدم جواز كون الرسول بشرا مع عدم اشتمال الآيات على مزعمتهم هذه لا تصريحا ولا تلويحا تحميل من غير دليل.
وثانيا: أن الذي ذكره في معنى الآية"هل كنت إلا بشرا رسولا كسائر الرسل وكانوا لا يأتون إلا كذا وكذا"معتمد الكلام فيه هو التشبيه الذي في قوله:"كسائر الرسل"لا قوله:"رسولا"وفي حذف معتمد الكلام إفساد السياق فافهم ذلك.