فهرس الكتاب

الصفحة 2706 من 4314

ثم إن لهم اختلافا آخر في المخاطبين بقوله:"و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا"أ هم اليهود أو قريش لو كانوا هم السائلين بتعليم من اليهود أو هم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وغير النبي من الناس؟ والأنسب بالسياق أن يكون الخطاب متوجها إلى السائلين والكلام من تمام قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأن السائلين هم اليهود لأنهم كانوا معروفين يومئذ بالعلم وفي الكلام إثبات علم ما لهم دون قريش وكفار العرب وقد عبر تعالى عنهم في بعض كلامه 1 بالذين لا يعلمون.

قوله تعالى:"و لئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا"الكلام متصل بما قبله فإن الآية السابقة وإن كانت متعرضة لأمر مطلق الروح وهو ذو مراتب مختلفة إلا أن الذي ينطبق عليه منه بحسب سياق الآيات السابقة المسوقة في أمر القرآن هو الروح السماوي النازل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الملقي إليه القرآن.

فالمعنى - والله أعلم - الروح النازل عليك الملقي بالقرآن إليك من أمرنا غير خارج من قدرتنا ، وأقسم لئن شئنا لنذهبن بهذا الروح الذي هو كلمتنا الملقاة إليك ثم لا تجد أحدا يكون وكيلا به لك علينا يدافع عنك ويطالبنا به ويجبرنا على رد ما أذهبنا به.

وبذلك يظهر أولا: أن المراد بالذي أوحينا إليك الروح الإلهي الذي هي كلمة ملقاة من الله إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على حد قوله:"و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا": الشورى: 54.

وثانيا: أن المراد بالوكيل للمطالبة والرد لما أذهبه الله دون الوكيل في حفظ القرآن وتلاوته على ما فسره بعض المفسرين وهو مبني على تفسير قوله:"الذي أوحينا إليك"بالقرآن دون الروح النازل به كما قدمنا.

قوله تعالى:"إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا"استثناء من محذوف يدل عليه السياق ، والتقدير فما اختصصت بما اختصصت به ولا أعطيت ما أعطيت من نزول الروح وملازمته إياك إلا رحمة من ربك ، ثم علله بقوله:"إن فضله كان عليك كبيرا"وهو وارد مورد الامتنان.

قوله تعالى:"قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا"الظهير هو المعين مأخوذ من الظهر كالرئيس من الرأس ، وقوله:"بمثله"من وضع الظاهر موضع المضمر وضميره عائد إلى القرآن.

وفي الآية تحد ظاهر ، وهي ظاهرة في أن التحدي بجميع ما للقرآن من صفات الكمال الراجعة إلى لفظه ومعناه لا بفصاحته وبلاغته وحدها فإن انضمام غير أهل اللسان إليهم لا ينفع في معارضة البلاغة شيئا وقد اعتنت الآية باجتماع الثقلين وإعانة بعضهم لبعض.

على أن الآية ظاهرة في دوام التحدي وقد انقرضت العرب العرباء أعلام الفصاحة والبلاغة اليوم فلا أثر منهم ، والقرآن باق على إعجازه متحد بنفسه كما كان.

قوله تعالى:"و لقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا"تصريف الأمثال ردها وتكرارها وتحويلها من بيان إلى بيان ومن أسلوب إلى أسلوب ، والمثل هو وصف المقصود بما يمثله ويقربه من ذهن السامع ، و"من"في قوله:"من كل مثل"لابتداء الغاية ، والمراد من كل مثل يوضح لهم سبيل الحق ويمهد لهم طريق الإيمان والشكر بقرينة قوله:"فأبى أكثر الناس إلا كفورا"والكلام مسوق للتوبيخ والملامة.

وفي قوله:"أكثر الناس"وضع الظاهر موضع المضمر والأصل أكثرهم ولعل الوجه فيه الإشارة إلى أن ذلك مقتضى كونهم ناسا كما مر في قوله:"و كان الإنسان كفورا": أسرى: 67.

والمعنى: وأقسم لقد كررنا للناس في هذا القرآن من كل مثل يوضح لهم الحق ويدعوهم إلى الإيمان بنا والشكر لنعمنا فأبى أكثر الناس إلا أن يكفروا ولا يشكروا.

قوله تعالى:"و قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا - إلى قوله - كتابا نقرؤه"الفجر الفتح والشق وكذلك التفجير إلا أنه يفيد المبالغة والتكثير ، والينبوع العين التي لا ينضب ماؤها ، وخلال الشيء وسطه وأثناؤه ، والكسف جمع كسفة كقطع جمع قطعة وزنا ومعنى ، والقبيل هو المقابل كالعشير والمعاشر ، والزخرف - الذهب ، والرقي الصعود والارتقاء.

والآيات تحكي الآيات المعجزة التي اقترحتها قريش على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلقوا إيمانهم به عليها مستهينة بالقرآن الذي هو معجزة خالدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت