فهرس الكتاب

الصفحة 1224 من 4314

و الذي يهمنا التنبه عليه هو أن هذه الأمور جميعا تتوقف في وقوعها على نوع من انصراف النفس عن الاشتغال بالأمور الخارجة عنها - وخاصة اللذائذ الجسمانية - وانعطافها إلى نفسها ولذا كان الأساس في جميع الارتياضات النفسانية - على تنوعها وتشتتها الخارج عن الإحصاء - هو مخالفة النفس في الجملة ، وليس إلا لأن انكباب النفس على مطاوعة هواها يصرفها عن الاشتغال بنفسها ، ويهديها إلى مشتهياتها الخارجة فيوزعها عليها ويقسم شعورها بينها ، فتأخذ بها وتترك نفسها.

3 -لا ينبغي لنا أن نشك في أن العوامل الداعية إلى هذه الآثار النفسانية كما تتم لبعض الأفراد موقتا وفي أحايين يسيرة ، ربما تتم لبعض آخر ثابتة مستمرة أو تمكث مكثا معتدا به فكثيرا ما نجد أشخاصا متزهدين عن الدنيا ولذائذها المادية ومشتهياتها الفانية لا هم لهم إلا ترويض النفس والاشتغال بسلوك طريق الباطن.

ولا ينبغي لنا أن نشك في أن هذه المشغلة النفسية ليست سنة مبتدعة في زماننا هذا ، فالنقل والاعتبار يدلان على أنها كانت من السنن الدائرة بين الناس ، كلما رجعنا القهقرى فهي من السنن اللازمة للإنسانية إلى أقدم عهودها التي نزلت في هذه الأرض على ما نحسب.

4 -البحث عن حال الأمم والتأمل في سننهم وسيرهم وتحليل عقائدهم وأعمالهم يفيد أن الاشتغال بمعرفة النفس على طرقها المختلفة للحصول على عجائب آثارها ، كان دائرا بينهم بل مهمة نفيسة تبذل دونها أنفس الأوقات وأغلى الأثمان منذ أقدم الأعصار.

ومن الدليل عليه أن الأقوام الهمجية الساكنة في أطراف المعمورة ، كإفريقية وغيرها ويوجد بينهم حتى اليوم بقايا من أساطير السحر والكهانة والإذعان بحقيقتهما وأصابتهما.

والاعتبار الدقيق فيما نقل إلينا من المذاهب والأديان القديمة كالبرهمانية والبوذية والصائبة والمانوية والمجوسية واليهودية والنصرانية والإسلام ، كل ذلك يعطي أن المهمة معرفة النفس والحصول على آثارها تسربا عميقا فيها وإن كانت مختلفة في وصفها وتلقينها وتقويمها.

فالبرهمانية - وهي مذهب هند القديم - وإن كانت تخالف الأديان الكتابية في التوحيد وأمر النبوة غير أنها تدعو إلى تزكية النفس وتطهير السر وخاصة للبراهمة أنفسهم.

نقل عن البيروني في كتاب ما للهند من مقولة قال: عمر البرهمن بعد مضي سبع سنين منه منقسم لأربعة أقسام: فأول القسم الأول هي السنة الثامنة يجتمع إليه البراهمة لتنبيهه وتعريفه الواجبات عليه ، وتوصيته بالتزامها واعتناقها ما دام حيا.

قال: وقد دخل في القسم الأول إلى السنة الخامسة والعشرين من سنه إلى السنة الثامنة والأربعين ، فيجب عليه فيها أن يتزهد ويجعل الأرض وطاءه ، ويقبل على تعلم"بيذ"وتفسيره علم الكلام والشريعة من أستاذ يخدمه آناء ليله ونهاره ، ويغتسل كل يوم ثلاث مرات ، ويقدم قربان النار في طرفي النهار ، ويسجد لأستاذه بعد القربان ، ويصوم يوما ويفطر يوما مع الامتناع عن اللحم أصلا ، ويكون مقامه في دار الأستاذ ، ويخرج منها السؤال والكدية من خمسة بيوت فقط كل يوم مرة عند الظهيرة أو المساء ، فما وجد من صدقة وضعه بين يدي أستاذه ليتخير منه ما يريد ثم يأذن له في الباقي فيتقوت بما فضل منه ، ويحمل إلى النار حطبها ، فالنار عندهم معظمة والأنوار مقتربة.

وكذلك عند سائر الأمم فقد كانوا يرون تقبل القربان بنزول النار عليها ، ولم يثنهم عنها عبادة أصنام أو كواكب أو بقر أو حمير أو صور.

قال: وأما القسم الثاني فهو من السنة الخامسة والعشرين إلى الخمسين أو إلى السبعين ، وفيه يأذن له الأستاذ في التأهل فيتزوج ويقصد النسل.

وذكر كيفية معاشرته أهله والناس وارتزاقه وسيرته.

ثم قال: وأما القسم الثالث فهو من الخمسين إلى الخامسة والسبعين أو إلى التسعين ، وفي هذا القسم يتزهد ويخرج من زخاري الحياة ويسلم زوجه إلى أولاده إن لم تصحبه إلى الصحاري ، ويستمر خارج العمران على سيرته في القسم الأول ، ولا يستكن تحت سقف ، ولا يلبس إلا ما يواري سوأته من لحاء الشجر ، ولا ينام إلا على الأرض بغير وطاء ، ولا يتغذى إلا بالثمار والنبات وأصوله ، ويطول الشعر ولا يدهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت