قال: وأما القسم الرابع فهو إلى آخر العمر يلبس فيه لباسا أحمر ، ويأخذ بيده قضيبا ، ويقبل على الفكر وتجريد القلب من الصداقات والعداوات ، ويرفض الشهوة والحرص والغضب ، ولا يصاحب أحدا البتة.
فإن قصد موضعا ذا فضل طلبا للثواب لم يقم في طريقه في قرية أكثر من يوم ، وفي بلد أكثر من خمسة أيام ، وإن دفع له أحد شيئا لم يترك منه للغد بقية ، وليس له إلا الدءوب على شرائط الطريق المؤدي إلى الخلاص والوصول إلى المقام الذي لا رجوع فيه إلى الدنيا ، ثم ذكر الأحكام العامة التي يجب على البرهمن العمل بها في جميع عمره ، انتهى موضع الحاجة من كلامه.
وأما سائر الفرق المذهبية من الهنود كالجوكية أصحاب الأنفاس والأوهام وكأصحاب الروحانيات وأصحاب الحكمة وغيرهم ، فلكل طائفة منهم رياضات شاقة عملية لا تخلو عن العزلة وتحريم اللذائذ الشهوانية على النفس.
وأما البوذية فبناء مذهبهم على تهذيب النفس ومخالفة هواها وتحريم لذائذها عليها للحصول على حقيقة المعرفة ، وقد كان هذا هو الطريقة التي سلكها بوذا نفسه في حياته ، فالمنقول أنه كان من أبناء الملوك أو الرؤساء فرفض زخارف الحياة ، وهجر أريكة العرش إلى غابة موحشة لزمها في ريعان شبابه ، واعتزل الناس ، وترك التمتع بمزايا الحياة ، وأقبل على رياضة نفسه والتفكر في أسرار الخلقة حتى قذفت المعرفة في قلبه وسنه إذ ذاك ستة وثلاثون وعند ذاك خرج إلى الناس فدعاهم إلى ترويض النفس وتحصيل المعرفة ولم يزل على ذلك قريبا من أربع وأربعين سنة على ما في التواريخ.
وأما الصابئون ونعني بهم أصحاب الروحانيات وأصنامها فهم وإن أنكروا أمر النبوة غير أن لهم في طريق الوصول إلى كمال المعرفة النفسانية طرقا لا تختلف كثيرا عن طرق البراهمة والبوذيين ، قالوا - على ما في الملل والنحل -: إن الواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعية ، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانية والغضبية حتى يحصل مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات فنسأل حاجاتنا منهم ، ونعرض أحوالنا عليهم ، ونصبو في جميع أمورنا إليهم ، فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم ورازقنا ورازقهم ، وهذا التطهير ليس يحصل إلا باكتسابنا ورياضتنا وفطامنا أنفسنا عن دنيئات الشهوات استمدادا من جهة الروحانيات ، والاستمداد هو التضرع والابتهال بالدعوات ، وإقامة الصلوات ، وبذل الزكوات ، والصيام عن المطعومات والمشروبات ، وتقريب القرابين والذبائح ، وتبخير البخورات ، وتعزيم العزائم فيحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير واسطة ، انتهى.
وهؤلاء وإن اختلفوا فيما بين أنفسهم بعض الاختلاف في العقائد العامة الراجعة إلى الخلق والإيجاد لكنهم متفقوا الرأي في وجوب ترويض النفس للحصول على كمال المعرفة وسعادة النشأة.
وأما المانوية من الثنوية فاستقرار مذهبهم على كون النفس من عالم النور العلوي وهبوطها إلى هذه الشبكات المادية المظلمة المسماة بالأبدان ، وأن سعادتها وكمالها في التخلص من دار الظلمة إلى ساحة النور إما اختيارا بالترويض النفساني ، وإما اضطرارا بالموت الطبيعي ، معروف.
وأما أهل الكتاب ونعني بهم اليهود والنصارى والمجوس فكتبهم المقدسة وهي العهد العتيق والعهد الجديد وأوستا مشحونة بالدعوة إلى إصلاح النفس وتهذيبها ومخالفة هواها.
ولا تزال كتب العهدين تذكر الزهد في الدنيا والاشتغال بتطهير السر ، ولا يزال يتربى بينهم جم غفير من الزهاد وتاركي الدنيا جيلا بعد جيل ، وخاصة النصارى فإن من سننهم المتبعة الرهبانية.
وقد ذكر أمر رهبانيتهم في القرآن الشريف قال تعالى:"ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون":"المائدة: 82"وقال تعالى:"و رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها":"الحديد: 27"، كما ذكر المتعبدون من اليهود في قوله:"ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين":"آل عمران: 141".