فهرس الكتاب

الصفحة 1226 من 4314

و أما الفرق المختلفة من أصحاب الارتياضات والأعمال النفسية كأصحاب السحر والسيمياء وأصحاب الطلسمات وتسخير الأرواح والجن وروحانيات الحروف والكواكب وغيرها وأصحاب الإحضار وتسخير النفوس ، فلكل منهم ارتياضات نفسية خاصة تنتج نوعا من السلطة على أمر النفس.

وجملة الأمر على ما يتحصل من جميع ما مر: أن الوجهة الأخيرة لجميع أرباب الأديان والمذاهب والأعمال هو تهذيب النفس بترك هواها والاشتغال بتطهيرها من شوب الأخلاق والأحوال غير المناسبة للمطلوب.

5 -لعلك ترجع وتقول: إن الذي ثبت من سنن أرباب المذاهب والطرق وسيرهم هو الزهد في الدنيا وهو غير مسألة معرفة النفس أو الاشتغال بأمر النفس بالمعنى الذي تقدم البحث عنه.

وبلفظ أوضح: الذي يندب إليه الأديان والمذاهب التي تدعو إلى العبودية بنحو أن يتزهد الإنسان نوع تزهد في الدنيا بإتيان الأعمال الصالحة وترك الهوى والآثام ورذائل الأخلاق ليتهيأ بذلك لأحسن الجزاء إما في الآخرة كما يصرح به الأديان النبوية كاليهودية والنصرانية والإسلام أو في الدنيا كما استقر عليه دين الوثنية ومذهب التناسخ وغيرهما.

فالمتعبد على حسب الدستور الديني يأتي بما ندب إليه من نوع التزهد من غير أن يخطر بباله أن هناك نفسا مجردة وأن لها نوعا من المعرفة ، فيه سعادتها وكمال وجودها.

وكذلك الواحد من أصحاب الرياضات على اختلاف طرقها وسننها إنما يرتاض بما يرتاض من مشاق الأعمال ولا هم له في ذلك إلا حيازة المقام الموعود فيها والتسلط على نتيجة العمل ، كنفوذ الإرادة مثلا وهو في غفلة من أمر النفس المذكور من حين يأخذ في عمله إلى حين يختمه.

على أن في هؤلاء من لا يرى في النفس إلا أنها أمر مادي طبيعي كالدم أو الروح البخاري أو الأجزاء الأصلية ، ومن يرى أن النفس جسم لطيف مشاكل للبدن العنصري حال فيه ، وهو الحامل للحياة فكيف يسوغ القول بكون الجميع يرومون بذلك أمر معرفة النفس؟.

لكنه ينبغي لك أن تتذكر ما تقدم ذكره أن الإنسان في جميع هذه المواقف التي يأتي فيها بأعمال تصرف النفس عن الاشتغال بالأمور الخارجية والتمتعات المتفننة المادية إلى نفسها للحصول على خواص وآثار لا توصل إليها الأسباب المادية والعوامل الطبيعية العادية ، لا يريد إلا الانفصال عن العلل والأسباب الخارجية ، والاستقلال بنفسه للحصول على نتائج خاصة لا سبيل للعوامل المادية العادية إليها.

فالمتدين المتزهد في دينه يرى أن من الواجب الإنساني أن يختار لنفسه سعادته الحقيقية وهي الحياة الطيبة الأخروية عند المنتحلين بالمعاد ، والحياة السعيدة الدنيوية التي تجمع له الخير وتدفع عنه الشر عند المنكرين له كالوثنية وأصحاب التناسخ ، ثم يرى أن الاسترسال في التمتعات الحيوانية لا تحوز له سعادته ، ولا تسلك به إلى غرضه فلا محيص له عن رفض الهوى وترك الانطلاق إلى كل ما تتهوسه نفسه بأسبابها العادية في الجملة ، والانجذاب إلى سبب أو أسباب فوق الأسباب المادية العادية بالتقرب إليه والاتصال به ، وأن هذا التقرب والاتصال إنما يتأتى بالخضوع له والتسليم لأمره وذلك أمر روحي نفساني لا ينحفظ إلا بأعمال وتروك بدنية ، وهذه هي العبادة الدينية من صلاة ونسك أو ما يرجع إلى ذلك.

فالأعمال والمجاهدات والارتياضات الدينية ترجع جميعا إلى نوع من الاشتغال بأمر النفس ، والإنسان يرى بالفطرة أنه لا يأخذ شيئا ولا يترك شيئا إلا لنفع نفسه ، وقد تقدم أن الإنسان لا يخلو ، ولا لحظة من لحظات وجوده من مشاهدة نفسه وحضور ذاته وأنه لا يخطىء في شعوره هذا البتة ، وإن أخطأ فإنما يخطىء في تفسيره بحسب الرأي النظري والبحث الفكري فظهر بهذا البيان أن الأديان والمذاهب على اختلاف سننها وطرقها لا تروم إلا الاشتغال بأمر النفس في الجملة ، سواء علم بذلك المنتحلون بها أم لم يعلموا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت