و في البحار ، عن إرشاد الديلمي ، وذكر بعد ذلك سندين لهذا الحديث وفيه:"فمن عمل برضائي ألزمه ثلاث خصال: أعرفه شكرا لا يخالطه الجهل وذكرا لا يخالطه النسيان ، ومحبة لا يؤثر على محبتي محبة المخلوقين. فإذا أحبني أحببته ، وأفتح عين قلبه إلى جلالي ، ولا أخفي عليه خاصة خلقي ، وأناجيه في ظلم الليل ونور النهار حتى ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم ، وأسمعه كلامي وكلام ملائكتي ، وأعرفه السر الذي سترته عن خلقي ، وألبسه الحياء حتى يستحيي منه الخلق كلهم ، ويمشي على الأرض مغفورا له ، وأجعل قلبه واعيا وبصيرا ، ولا أخفي عليه شيئا من جنة ولا نار ، وأعرفه ما يمر على الناس في القيامة من الهول والشدة ، وما أحاسب به الأغنياء والفقراء والجهال والعلماء ، وأنومه في قبره وأنزل عليه منكرا ونكيرا حتى يسألاه ، ولا يرى غم الموت وظلمة القبر واللحد وهول المطلع ، ثم أنصب له ميزانه وأنشر ديوانه ، ثم أضع كتابه في يمينه فيقرؤه منشورا ثم لا أجعل بيني وبينه ترجمانا ، فهذه صفات المحبين. يا أحمد اجعل همك هما واحدا ، واجعل لسانك لسانا واحدا ، واجعل بدنك حيا لا يغفل أبدا ، من يغفل عني لا أبالي بأي واد هلك".
والروايات الثلاثة الأخيرة وإن لم يكن من أخبار هذا البحث المعقود على الاستقامة إلا أنا إنما أوردناها ليقضي الناقد البصير بما قدمناه من أن المعرفة الحقيقية لا تستوفى بالعلم الفكري حق استيفائها فإن الروايات تذكر أمورا من المواهب الإلهية المخصوصة بأوليائه لا ينتجها السير الفكري البتة.
وهي أخبار مستقيمة صحيحة تشهد على صحتها الكتاب الإلهي على ما سنبين ذلك فيما سيوافيك من تفسير سورة الأعراف إن شاء الله العزيز.
وفي تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم"الآية ، قال: قال (عليه السلام) : أصلحوا أنفسكم ولا تتبعوا عورات الناس ولا تذكروهم فإنه لا يضركم ضلالتهم إذا أنتم صالحون.
أقول: والرواية منطبقة على ما قدمناه في البيان السابق أن الآية متوجهة إلى النهي عن التعرض لإصلاح حال الناس أزيد من متعارف الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وليست مسوقة للترخيص في ترك فريضة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي نهج البيان ، عن: الصادق (عليه السلام) أنه قال: نزلت هذه الآية في التقية.
أقول: مفاد الرواية أن الآية خاصة بصورة التقية من أهل الضلال في الدعوة إلى الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمكان اشتراط ذلك شرعا بعدم التقية ، وقد تقدم في البيان السابق أن ظاهر الآية لا تساعد على ذلك.
وقد روي في الدر المنثور ، عن مفسري السلف قول جمع منهم بذلك كابن مسعود وابن عمر وأبي بن كعب وابن عباس ومكحول ، وما روي في ذلك من الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير دالة على ذلك. وهي ما عن الترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير والبغوي في معجمه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قال: قوله:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم - لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا سألت عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام فإن من ورائكم أيام الصبر ، الصابر فيهن كالقابض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم.
أقول: وفي هذا المعنى ما رواه ابن مردويه عن معاذ بن جبل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والرواية إنما تدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يرتفعا بالآية.