فهرس الكتاب

الصفحة 1661 من 4314

و هذه السنة التي هي من السنن الكونية التي أقرها الله سبحانه في الكون غير متخلفة عن الإنسان ، ولا الإنسان مستثنى منها فالأمة من الأمم إذا انحرفت عن صراط الفطرة انحرافا يصده عن السعادة الإنسانية التي قدرت غاية لمسيره في الحياة كان في ذلك اختلال حال غيره مما يحيط به من الأسباب الكونية المرتبطة به ، وينعكس إليه أثره السيىء الذي لا سبب له إلا انحرافه عن الصراط وتوجيهه آثارا سيئة من نفسه إلى تلك الأسباب ، وعند ذلك يظهر اختلالات في اجتماعاتهم ، ومحن عامة في روابطهم العامة كفساد الأخلاق ، وقسوة القلوب ، وفقدان العواطف الرقيقة ، وتهاجم النوائب وتراكم المصائب والبلايا الكونية كامتناع السماء من أن تمطر ، والأرض من أن تنبت ، والبركات من أن تنزل ، ومفاجأة السيول والطوفانات والصواعق والزلازل وخسف البقاع وغير ذلك كل ذلك آيات إلهية تنبه الإنسان وتدعو الأمة إلى الرجوع إلى ربه ، والعود إلى ما تركه من صراط الفطرة المستقيم ، وامتحان بالعسر بعد ما امتحن باليسر.

تأمل في قوله تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون": الروم: 41 تراه شاهدا ناطقا بذلك ، فالآية تذكر أن المظالم والذنوب التي تكسبها أيدي الناس توجب فسادا في البر والبحر مما يعود إلى الإنسان كوقوع الحروب وانقطاع الطرق وارتفاع الأمن وغير ذلك ، أو لا يعود إليه كاختلال الأوضاع الجوية والأرضية الذي يستضر به الإنسان في حياته ومعاشه.

ونظيره بوجه قوله تعالى:"و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير": الشورى: 30 على ما سيجيء إن شاء الله من تقرير معناه ، وكذلك قوله تعالى:"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": الرعد: 11 ، وما في معناه من الآيات.

وبالجملة فإن رجعت الأمة بذلك - وما أقله وأندره في الأمم - فهو ، وإن استمرت على ضلالها وخبطها طبع الله على قلوبهم فاعتادوا ذلك ، وأصبحوا يحسبون أن الحياة الإنسانية ليست إلا هذه الحياة المضطربة الشقية التي تزاحمها أجزاء العالم المادي وتضطهدها النوائب والرزايا ، ويحطمها قهر الطبيعة الكونية - وأن ليس للإنسان إلا أن يتقدم في العلم ويتجهز بالحيل الفكرية فيبارزها ويتخذ وسائل كافية في دفع قهرها وإبطال مكرها كما اتخذ اليوم وسائل تكفي لدفع القحط والجدب والوباء والطاعون وسائر الأمراض العامة السارية ، وأخرى تنفي بها السيول والطوفانات والصواعق ، وغير ذلك مما يأتي به طاغية الطبيعة ، ويهدد النوع بالهلاك.

قتل الإنسان ما أكفره! أخذه الخيلاء فظن أن التقدم فيما يسميه حضارة وعلما يعده أنه سيغلب طبيعة الكون ، ويبطل عزائمها ، ويقهرها على أن تطيعه في مشيته ، وتنقاد لأهوائه ، وهو أحد أجزائها المحكومة بحكمها الضعيفة في تركيبها ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ، ولو فسدت لكان الإنسان الضعيف من أقدم أجزائها في الفساد وأسرعها إلى الهلاك.

ويخيل إليه أن الذي ترومه المعرفة الدينية هو أن تبطل نسبة الحوادث العظام إلى أسبابها الطبيعية ثم تضع زمامها في يد صانعها فيكون شريكا من الشركاء ، للأسباب الآخر آثارها من الحوادث - وهي الحوادث التي يسعنا البحث عن عللها وأسبابها - وللسبب الذي هو الصانع بقية الآثار من الحوادث كالحوادث العامة والوقائع الجوية كالوباء والقحط والأمطار والصواعق وغيرها ثم إذا كشف عن العلل الطبيعية المكتنفة لهذه الأمور زعم أنه في غنى عن رب العالمين وتدبير ربوبيته.

وقد فاته أن الله عز اسمه ليس سببا في عرض الأسباب ، وعلة في صف العلل المادية والقوى الفعالة في الطبيعة بل هو الذي أحاط بكل شيء ، وخلق كل سبب فساقه وقاده إلى مسببه وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى ولا يحيط بخلقه ومسببه غيره فله أن يتسبب إلى كل شيء بما أراده من الأسباب المجهولة عندنا الغائبة عن علومنا.

وإلى ذلك يشير نحو قوله تعالى:"إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا": الطلاق: 3 ، وقوله:"و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون": يوسف: 21 ، وقوله:"و ما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير": الشورى: 31 ، إلى غير ذلك من الآيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت