و كيف يسع للإنسان أن يحارب الله في ملكه ، ويتخذ بفكره وسائل لإبطال حكمه وإرادته ، وليس هو سبحانه في عرضها بل هو في طولها أي هو الذي خلق الإنسان وخلق منه هذه الإرادة ثم الفكر ثم الوسائل المتخذة ، ووضع كلا في موضعه ، وربط بعضها ببعض من بدئها إلى ختمها حتى أنهاها إلى الغاية الأخيرة التي يريد الإنسان بجهالته أن يحارب بالتوسل إليها ربه في قضائه وقدره ، ويناقضه في حكمه ، وهو أحد الأيادي العمالة لما يريده ويحكم به وبعض الأسباب المجرية لما يقدره ويقضي به.
وإلى هذا الموقف الفضيح الإنساني يشير تعالى بعد ذكر أخذه الإنسان بالبأساء والضراء بقوله:"ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون"على ما سيجيء إن شاء الله تعالى من تقرير معنى الآية عن قريب.
فهذه حقيقة برهانية تقرر أن الإنسان كغيره من الأنواع الكونية مرتبط الوجود بسائر أجزاء الكون المحيطة به ، ولأعماله في مسير حياته وسلوكه إلى منزل السعادة ارتباط بغيره فإن صلحت للكون صلحت أجزاء الكون له وفتحت له بركات السماء ، وإن فسدت أفسدت الكون وقابله الكون بالفساد فإن رجع إلى الصلاح فيها ، وإلا جرى على فساده حتى إذا تعرق فيه انتهض عليه الكون وأهلكه بهدم بنيانه وإعفاء أثره ، وطهر الأرض من رجسه.
وكيف يمكن للإنسان وأنى يسعه أن يعارض الكون بعمله وهو أحد أجزائه التي لا تستقل دونه البتة؟ أو يماكره بفكره وإنما يفكر بترتيب القوانين الكلية المأخوذة منه؟ فافهم ذلك.
فهذه حقيقة برهانية والقرآن الكريم يصدقها وينص عليها فالله سبحانه هو الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا ، وهداه إلى ما يسعده ، ولم يخلق العالم سدى ، ولا شيئا من أجزائه ومنها الإنسان لعبا ، بل إنما خلق ما خلق ليتقرب منه ويرجع إليه ، وهيأ له منزلة سعادة يندفع إليها بحسب فطرته بإذن الله سبحانه ، وجعل له سبيلا ينتهي إلى سعادته فإذا سلك سبيله الفطري فهو ، وإلا فإن انحرف عنه انحرافا لا مطمع في رجوعه إلى سوي الصراط فقد بطلت فيه الغاية ، وحقت عليه كلمة العذاب.
قوله تعالى:"و ما أرسلنا في قرية من نبي"إلى آخر الآية.
قيل: البأساء في المال كالفقر ، والضراء في النفس كالمرض ، وقيل: يعني بالبأساء ما نالهم من الشدة في أنفسهم وبالضراء ما نالهم في أموالهم ، وقيل: غير ذلك.
وقيل: إن البأس والبأساء يكثر استعمالهما في الشدة التي هي بالنكاية والتنكيل كما في قوله تعالى:"و الله أشد بأسا وأشد تنكيلا".
ولعل قوله بعد:"الضراء والسراء"حيث أريد بهما ما يسوء الإنسان وما يسره يكون قرينة على إرادة مطلق ما يسوء الإنسان من الشدائد من الضراء ، ويكون قوله:"بالبأساء والضراء"من ذكر العام بعد الخاص.
يذكر سبحانه أن السنة الإلهية جرت على أنه كلما أرسل نبيا من الأنبياء إلى قرية من القرى - وما يرسلهم إليهم إلا ليهديهم سبيل الرشاد - ابتلاهم بشيء من الشدائد في النفوس والأموال رجاء أن يبعثهم ذلك إلى التضرع إليه سبحانه ليتم بذلك أمر دعوتهم إلى الإيمان بالله والعمل الصالح.
فالابتلاءات والمحن نعم العون لدعوة الأنبياء فإن الإنسان ما دام على النعمة شغله ذلك عن التوجه إلى من أنعمها عليه واستغنى بها ، وإذا سلب النعمة أحس بالحاجة ، ونزلت عليه الذلة والمسكنة ، وعلاه الجزع ، وهدده الفناء فيبعثه ذلك بحسب الفطرة إلى الالتجاء والتضرع إلى من بيده سد خلته ودفع ذلته ، وهو الله سبحانه وإن كان لا يشعر به وإذا نبه عليه كان من المرجو اهتداؤه إلى الحق ، قال تعالى:"و إذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض": حم السجدة: 51.
قوله تعالى:"ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا"إلى آخر الآية.
تبديل الشيء شيئا وضع الشيء الثاني مكان الشيء الأول والسيئة والحسنة معناهما ظاهر ، والمراد بهما ما هما كالشدة والرخاء ، والخوف والأمن ، والضراء والسراء كما يدل عليه قوله بعده:"قد مس آباءنا الضراء والسراء".