فهرس الكتاب

الصفحة 2907 من 4314

يظهر ذلك كله بالتدبر في المحاورة الجارية بين فرعون وبينهم إذا قيس بين القولين ففرعون في غفلة من مقام ربه لا يرى إلا نفسه ويضيف إليه أنه رب القبط وله ملك مصر وله جنود مجندة ، وله ما يريد وله ما يقضي وليست في نظر الحق والحقيقة إلا دعاوي وقد غره جهله إلى حيث يرى أن الحق تبع باطله والحقيقة خاضعة مطيعة لدعواه فيتوقع أن لا تمس نفوس الناس - وفي جبلتها الفهم والقضاء - بشعورها وإدراكها الجبلي شيئا إلا بعد إذنه ، ولا يذعن قلوبهم ولا توقن بحق إلا عن إجازته وهو قوله للسحرة:"آمنتم له قبل أن آذن لكم".

ويرى أن لا حقيقة للإنسان إلا هذه البنية الجسمانية التي تعيش ثم تفسد وتفنى وأن لا سعادة له إلا نيل هذه اللذائذ المادية الفانية ، وذلك قوله:"فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى"وليتدبر في آخر كلامه.

وأما هؤلاء المؤمنون وقد أدركهم الحق وغشيهم فأصفاهم وأخلصهم لنفسه فهم يرون ما يعده فرعون حقيقة من أمتعة الحياة الدنيا من مالها ومنزلتها سرابا خياليا وزينة غارة باطلة ، وأنهم إذا خيروا بينه وبين ما آمنوا به فقد خيروا بين الحق والباطل والحقيقة والسراب ، وحاشا أهل اليقين أن يشكوا في يقينهم أو يقدموا الباطل على الحق والسراب على الحقيقة وهم يشهدون ذلك شهادة عيان وذلك قولهم:"لن نؤثرك - أي لن نختارك - على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا"فليس مرادهم به إيثار شخص بما هو جسد إنساني ذو روح بل ما معه مما كان يدعيه أنه يملكه من الدنيا العريضة بمالها ومنالها.

وما كان يهددهم به فرعون من القتل الفجيع والعذاب الشديد وقطع دابر الحياة الدنيا وهو يرى أن ليس للإنسان إلا الحياة التي فيها وفيها سعادته وشقاؤه فإنهم يرون الأمر بالعكس من ذلك وأن للإنسان حياة خالدة أبدية لا قدر عندها لهذه الحياة المعجلة الفانية إن سعد فيها فلا عليه أن يشقى في حياته الدنيا وإن شقي فيها فلا ينفعه شيء.

وعلى ذلك فلا يهابون أن يخسروا في حياتهم الدنيا الداثرة إذا ربحوا في الحياة الأخرى الخالدة ، وذلك قولهم لفرعون - وهو جواب تهديده إياهم بالقتل -"فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا"ثم الآيات التالية الحاكية لتتمة كلامهم مع فرعون تعليل وتوضيح لقولهم:"لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا".

وفي قولهم:"ما جاءنا من البينات"تلويح إلى أنهم عدوا ما شاهدوه من أمر العصا آيات عديدة كصيرورتها ثعبانا وتلقفها الحبال والعصي ورجوعها ثانيا إلى حالتها الأولى ، ويمكن أن يكون"من"للتبعيض فيفيد أنهم شاهدوا آية واحدة وآمنوا بأن لله آيات أخرى كثيرة ولا يخلو من بعد.

قوله تعالى:"إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى"الخطايا جمع خطيئة وهي قريبة معنى من السيئة وقوله:"و ما أكرهتنا عليه"معطوف على"خطايانا"و"من السحر"بيان له والمعنى وليغفر لنا السحر الذي أكرهتنا عليه وفيه دلالة على أنهم أكرهوا عليه إما حين حشروا إلى فرعون من خلال ديارهم وإما حين تنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى فحملوا على المقابلة والمغالبة.

وأول الآية تعليل لقولهم:"لن نؤثرك"إلخ أي إنما اخترنا الله الذي فطرنا عليك وآمنا به ليغفر لنا خطايانا والسحر الذي أكرهتنا عليه ، وذيل الآية:"و الله خير وأبقى"من تمام البيان وبمنزلة التعليل لصدرها كأنه قيل: وإنما آثرنا غفرانه على إحسانك لأنه خير وأبقى ، أي خير من كل خير وأبقى من كل باق - لمكان الإطلاق - فلا يؤثر عليه شيء وفي هذا الذيل نوع مقابلة لما في ذيل كلام فرعون:"و لتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى".

وقد عبروا عنه تعالى أولا بالذي فطرنا ، وثانيا بربنا ، وثالثا بالله ، أما الأول فلأن كونه تعالى فاطرا لنا أي مخرجا لنا عن كتم العدم إلى الوجود ويتبعه انتهاء كل خير حقيقي إليه وأن ليس عند غيره إذا قوبل به إلا سراب البطلان منشأ كل ترجيح والمقام مقام الترجيح بينه تعالى وبين فرعون.

وأما الثاني فلأن فيه إخبارا عن الإيمان به وأمس صفاته تعالى بالإيمان والعبودية صفة ربوبيته المتضمنة لمعنى الملك والتدبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت