فهرس الكتاب

الصفحة 2433 من 4314

و قوله:"و أنزل من السماء ماء فأخرج به"إلخ ، المراد بالسماء جهة العلو وهو معناها اللغوي ، والماء النازل منها هو المطر النازل منها فإليه ينتهي الماء في الأرض الذي تعيش به ذوات الحياة من النبات والحيوان.

قوله تعالى:"و سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار"تسخير الفلك للناس هو جعلها بحيث تنفعهم في مقاصدهم وهي العبور بأنفسهم وأحمالهم وغير ذلك من غير أن ترسب في الماء أو تمتنع عن الحركة.

وأما قول بعضهم: تسخيرها لهم هو إقدارهم على صنعتها واستعمالها بإلهامهم طريق ذلك بعيد ، فإن الظاهر من تسخير شيء للإنسان هو التصرف فيه بجعله موافقا لما يقصده من منافع نفسه دون التصرف في الإنسان نفسه بإلهام ونحوه.

وكان من طبع الكلام أن يقال: وسخر لكم البحر لتجري فيه الفلك بأمره وسخر لكم الأنهار غير أنه عكس ، وقيل: وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره لكون الفلك من أوضح النعم البحرية وإن لم تنحصر فيها نعمه ولعل ذلك هو السبب في العكس ، لأن المقام مقام عد النعمة والنعمة في الفلك أوضح وإن كانت في البحر أعظم.

وإسناد جريها في البحر إلى أمره تعالى مع كونه مستندا إلى الأسباب الطبيعية العاملة كالريح والبخار وسائر الأسباب ، لكونه تعالى هو السبب المحيط الذي إليه ينتهي كل سبب.

وقوله:"و سخر لكم الأنهار وهي المياه الجارية في مختلف أقطار الأرض وتسخيرها هو تدليلها بحيث ينتفع بها الإنسان بالشرب والغسل وإزالة الأوساخ وغير ذلك ويعيش بها الحيوان والنبات المسخران له."

قوله تعالى:"و سخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار"قال الراغب: الدأب إدامة السير دأب في السير دأبا ، قال تعالى:"و سخر لكم الشمس والقمر دائبين"والدأب العادة المستمرة دائما على حالة ، قال تعالى:"كدأب آل فرعون"أي كعادتهم التي يستمرون عليها.

انتهى ، ومعنى الآية واضح.

قوله تعالى:"و آتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار"السؤال هو الطلب ويفارقه أن السؤال إنما يكون ممن يعقل والطلب أعم وإنما تنبه الإنسان للسؤال من جهة الحاجة الداعية إليه فأظهر له أن يرفع ما حلت به من حاجة وكانت الوسيلة العادية إليه هي اللفظ فتوسل به إليه وربما توسل إليه بإشارة أو كتابة وسمي سؤالا حقيقة من غير تجوز.

وإذ كان الله سبحانه هو الذي يرفع حاجة كل محتاج ممن سواه لا يتعلق شيء بذاته فيما يحتاج إليه في وجوده وبقائه إلا بذيل جوده وكرمه سواء أقر به أو أنكره وهو تعالى أعلم بهم وبحاجاتهم ظاهرة وباطنة من أنفسهم كان كل من سواه عاكفا على باب جوده سائلا يسأله رفع ما حلت به من حاجة سواء أعطاه أو منعه وسواء أجابه في جميع ما سأل أو بعضه.

هذا هو حق السؤال وحقيقته يختص به تعالى لا يتعداه إلى غيره ، ومن السؤال ما هو لفظي - كما تقدم - ربما يسأل به الله سبحانه وربما يسأل به غيره فهو تعالى مسئول يسأله كل شيء بحقيقة السؤال ويسأله بعض الناس من المؤمنين به بالسؤال اللفظي.

هذا بالنسبة إلى السؤال وأما بالنسبة إلى الإيتاء وهو الإعطاء فقد أطلق من غير أن يقيد باستثناء ونحوه فيدل على أنه ما من سؤال إلا وعنده إعطاء وهذه قرينة أن الخطاب للنوع كما يؤيده أيضا قوله ذيلا إن الإنسان لظلوم كفار"."

والمعنى أن النوع الإنساني لم يحتج بنوعيته إلى نعمة من النعم إلا رفع الله حاجته إما كلا أو بعضا وإن كان الفرد منه ربما احتاج وسأل ولم يقض حاجته.

وهذا المعنى هو الذي يؤيده قوله تعالى:"أجيب دعوة الداع إذا دعان": البقرة: 186 فقد مر في تفسير الآية أنه تعالى لا يرد دعاء من دعاه إلا أن لا يكون دعاء حقيقة أو يكون دعاء إلا أنه ليس دعاءه بل دعاء غيره والفرد من الإنسان ربما لم يواطىء لسانه قلبه أو لغا في دعائه لكن النوع بنوعيته لا يعرف هذرا ولا نفاقا ولا يعرف ربا غيره سبحانه فكلما مسته حاجة فإنه يسأله حقيقة ولا يسأله إلا من ربه فجميع أدعيته مستجابة وسؤالاته مؤتاة وحاجاته مقضية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت