فهرس الكتاب

الصفحة 2432 من 4314

فهم كانوا على بصيرة من أمر التوحيد لم يتخذوا الأنداد عن غفلة أو خطإ بل عمدوا إلى ذلك ابتغاء عرض الحياة الدنيا وليستعبدوا الناس ويستدروهم بإضلالهم عن سبيل الله ، ولذلك علل اتخاذهم الأنداد بقوله:"ليضلوا عن سبيله"ثم أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يوعدهم بالنار التي إليها مرجعهم لا مرجع لهم سواها فقال:"قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار".

وكان من طبع الكلام أن يقال لهم: اتخذوا الأنداد أو أضلوا عن سبيل الله فإن مصيركم إلى النار ، لكن بدل من قوله:"تمتعوا"ليصرح بغرضهم الفاسد الذي كانوا يخفونه ليكون أبلغ في فضاحتهم.

قوله تعالى:"قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال"لما توعدهم على لسان رسوله بعذاب يوم القيامة لإضلالهم الناس عن سبيل الله ، أمره أن يأمر عباده الذين آمنوا بالتزام سبيله من قبل أن يأتي يوم القيامة فلا يسعهم تدارك ما فات منهم من السعادة بشيء من الأسباب الدائرة بينهم لذلك وهي ترجع إلى أحد شيئين: إما المعارضة بإعطاء شيء وأخذ ما يعادله وهو البيع بالمعنى الأعم ، وإما الخلة والمحبة ، ولا أثر من هذه الأسباب في يوم محض للحساب والجزاء فإن ذلك شأن يوم القيامة لا شأن له دون ذلك.

ومن هنا يظهر أن قوله:"يقيموا الصلاة وينفقوا"بيان لسبيل الله وقد اكتفى بهذين الركنين اللذين بهما يلحق سائر الوظائف الشرعية مما يصلح حياة الإنسان الدنيوية فيما بينه وبين ربه وما بينه وبين سائر أفراد نوعه.

وقوله:"يقيموا الصلاة وينفقوا"إلخ مجزومان لوقوعهما في جواب الأمر ومقول القول محذوف لدلالة الفعلين عليه ، والتقدير: قل: أقيموا الصلاة وأنفقوا"إلخ"يقيموا الصلاة وينفقوا"إلخ".

والإشكال فيه بأن المجزوم في جواب الأمر يجب أن يكون مترتبا عليه ولا يلزم من الأمر بالصلاة والإنفاق أن يطيعوا ذلك.

ساقط فإن اللازم فيه أن يكون الجواب مما يقتضيه الأمر بوجه ، وأمر عباده المؤمنين وهم عباد مؤمنون مما يقتضي الطاعة بلا إشكال.

والإنفاق المذكور في الآية مطلق الإنفاق في سبيل الله فإن السورة مكية ولم تنزل آية الزكاة بعد ، والمراد بالإنفاق سرا وعلانية أن يجري الإنفاق على ما يقتضيه الأدب الديني الحق فيسر به فيما يحسن الإسرار ويعلن فيما يحسن الإعلان ، والمطلوب بذلك على أي حال الإتيان بما يصلح ما في مظنة الفساد ويقيم أود المجتمع من أمور المسلمين.

ولا ينافي ما في هذه الآية من نفي المخالة قوله تعالى:"الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين": الزخرف: 67 فإن النسبة بين الآيتين نسبة العموم والخصوص المطلق فتخصص هذه الآية بتلك الآية ويتحصل المراد من الآيتين أن كل خلة من غير جهة التقوى ترتفع يوم القيامة ، وأما الخلة التي من جهتها وهي الخلة في ذات الله فإنها تثبت وتنفع فنفي الخلال مطلقا ثم إثبات بعضه في الآيتين نظير نفي الشفاعة مطلقا في قوله:"و لا خلة ولا شفاعة": البقرة: 254 ثم إثباتها فيما كان بإذن الله كما في قوله:"إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف: 86.

وما قيل في نفي التنافي: إن المراد بالخلال في الآية النافية المخالة التي هي من الأسباب الدنيوية لتدارك ما فات بخلاف ما في الآية المثبتة ، وكذا ما قيل إن المراد بالمخالة المنفية هي التي تكون بحسب ميل الطبع ورغبة النفس بخلاف المخالة المثبتة فإنها التي تكون في ذات الله ، مرجعهما بالحقيقة إلى ما ذكرناه.

قوله تعالى:"الله الذي خلق السماوات والأرض"إلخ ، لما ذكر سبحانه جعلهم لله أندادا لإضلال الناس عن سبيل الله وأوعد عليه أورد في هذه الآية إلى تمام ثلاث آيات الحجة على اختصاص الربوبية بنفسه تعالى وتقدس من طريق اختصاص التدبير العام به من نظم الخلقة وإنزال الماء وإخراج الرزق وتسخير البحار - الفلك - والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار.

وأشار في آخر الآيات إلى أنها وما لا تحصى من غيرها نعمة منه تعالى للإنسان لأن البيان في هذه السورة - كما تقدمت الإشارة إليه - يجري في ضوء الاسمين: العزيز الحميد.

فقوله:"الله الذي خلق"إلخ ، في معنى قولنا: فهو الرب وحده دون الذين جعلتموهم أندادا له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت