فهرس الكتاب

الصفحة 2431 من 4314

قوله تعالى:"أ لم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار"قال في المجمع: الإحلال وضع الشيء في محل إما بمجاورة إن كان من قبيل الأجسام أو بمداخلة إن كان من قبيل الأعراض ، والبوار الهلاك يقال: بار الشيء يبور بورا إذا هلك ورجل بور أي هالك وقوم بور أيضا.

انتهى.

وقال الراغب: البوار فرط الكساد ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كما قيل: كسد حتى فسد ، عبر بالبوار عن الهلاك يقال: بار الشيء يبور بورا وبؤرا قال عز وجل:"تجارة لن تبور"انتهى.

والآية تذكر حال أئمة الكفر ورؤساء الضلال في ظلمهم وكفرانهم نعمة الله سبحانه التي أحاطت بهم من كل جهة بدل أن يشكروها ويؤمنوا بربهم ، وقد ذكر قبل كيفية خلقه تعالى السماوات والأرض على غنى منه وهي نعمة ، ثم ذكر كلمة الحق التي يدعو إليها وما لها من الآثار الثابتة الطيبة وهي نعمة.

والآية مطلقة لا دليل على تقييدها بكفار مكة أو كفار قريش وإن كان الخطاب فيها للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان في ذيلها مثل قوله:"قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار"لظهور أن ذلك لا يوجب تقييدا في الآية مع إطلاق مضمونها وشمولها للطواغيت من الأمم وما صنعوا بأقوامهم.

فقوله:"أ لم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا"يذكر حال أئمة الكفر ورؤساء الضلال من الأمم السابقة ومن هذه الأمة والدليل على اختصاصه بهم قوله:"و أحلوا قومهم دار البوار"المشعر بكونهم نافذي الكلمة مطاعين في قومهم فهم الأئمة والرؤساء.

والمراد بتبديلهم نعمة الله كفرا تبديلهم شكر نعمته الواجب عليهم كفرا ففي الجملة مضاف محذوف والتقدير: بدلوا شكر نعمة الله كفرا ، ويمكن أن يراد تبديل نفس النعمة كفرا بنوع من التجوز ، ونظير الآية في هذه العناية قوله تعالى:"و تجعلون رزقكم أنكم تكذبون": الواقعة: 82.

وذكر إحلالهم قومهم دار البوار يستلزم إحلال أنفسهم فيها لأنهم أئمة الضلال ضلوا ثم أضلوا والتبعة تبعة الضلال ، ونظير الآية في هذا المعنى قوله في فرعون:"يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار": هود: 98.

والمعنى أ لم تنظر إلى الأئمة والرؤساء من الأمم السابقة ومن أمتك الذين بدلوا شكر نعمة الله كفرا واتبعتهم قومهم فحلوا وأحلوا قومهم دار الهلاك وهو الشقاء والنار.

قوله تعالى:"جهنم يصلونها وبئس القرار"بيان لدار البوار ، واحتمال بعضهم أن يكون:"جهنم"منصوبا بالاشتغال والتقدير يصلون جهنم يصلونها والجملة مستأنفة خال عن الوجه لأن النصب مرجوح ولا نكتة تستوجب الاستئناف.

ومن هنا يظهر فساد قول من قال إن الآيات مدنية والمراد بالذين كفروا هم عظماء مكة وصناديد قريش الذين جمعوا الجموع على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحاربوه ببدر فقتلوا وأحلوا قومهم دار البوار.

وذلك أنك عرفت من معنى الآية أنها مطلقة ولا موجب لتخصيصها بقتلى بدر من الكفار أصلا ، بل الآية تشمل كل إمام ضلال أحل قومه دار البوار ممن تقدم وتأخر ، والمراد بإحلال دار البوار إقرارهم في شقاء النار وإن لم يقتلوا ولا ماتوا ولا دخلوا النار بعد.

على أن ظاهر الآية التالية"و جعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار"أن ضمير الجمع راجع إلى الذين كفروا المذكورين في هذه الآية ولازمه كون خطاب قل تمتعوا خطابا للباقين منهم وهم الذين أسلموا يوم الفتح وهو إيعاد بشقاء قطعي منجز من غير استثناء.

قوله تعالى:"و جعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار"الأنداد جمع ند وهو المثل وهم الآلهة الذين اتخذوهم آلهة من دون الله من الملائكة والجن والإنس.

وإنما جعلوها أندادا مع اعترافهم بأنهم مخلوقون لله سبحانه من جهة أنهم سموهم آلهة وأربابا ونسبوا إليهم تدبير أمر العالم ثم عبدوهم خوفا وطمعا مع أن الأمر والخلق كله لله وقد اعترفت بذلك فطرتهم وأيد الله ذلك بما ألهمه أنبياءه ورسله من الآيات والحجج الدالة على وحدانيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت