غير أن بين البابين فرقا وهو أن الهدى يبتدىء من الله سبحانه ويترتب عليه اهتداء العبد والضلال يبتدىء من العبد بسوء اختياره فيجازيه الله بالضلال على الضلال ، كما قال:"و ما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26 وقد تكاثرت الآيات القرآنية أن الهداية من الله سبحانه ليس لغيره فيها صنع.
وتوضيح المقام أن الله سبحانه خلق الإنسان على فطرة سليمة ركز فيها معرفة ربوبيته وألهمها فجورها وتقواها ، وهذه هداية فطرية أولية ثم أيدها بالدعوة الدينية التي قام بها أنبياؤه ورسله.
ثم إن الإنسان لو جرى على سلامة فطرته واشتاق إلى المعرفة والعمل الصالح هداه الله فاهتدى العبد للإيمان عن هدايته تعالى ، وأما جريه على سلامة الفطرة فلو سمي اهتداء فإنما هو اهتداء متفرع على السلامة الفطرية لو سميت هداية.
ولو انحرف الإنسان عن صراط الفطرة بسوء اختياره وجهل مقام ربه وأخلد إلى الأرض واتبع الهوى وعاند الحق فهو ضلال منه غير مسبوق بإضلال من الله وحاشاه سبحانه لكنه يستعقب إضلاله عن الطريق مجازاة وتثبيته على ما هو عليه بقطع الرحمة منه وسلب التوفيق عنه وهذا إضلال مسبوق بضلالة من نفسه بسوء اختياره وإزاغة له عن زيغ منه.
ومن هنا وجه اختلاف السياق في الآيتين أما قوله:"فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم"فقد فرض فيه زيغ منهم ثم أزاغه منه تعالى وأما قوله:"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت"فقد فرض فيه إيمان ثابت على التثبيت وهو في نفسه يستلزم هداية منه واهتداء منهم ثم أضيف إلى ذلك القول الثابت وهو ثباتهم واستقامتهم بحسن اختيارهم على ما آمنوا به وهو فعلهم فيعقبه الله بتثبيتهم بسبب ذاك القول الثابت وحفظهم من الزيغ والزلل يدفع عنهم بذلك مخاطر الحياة في الدنيا والآخرة وهذا هداية منه تعالى غير مسبوقة باهتداء من عند أنفسهم يرتبط بها فافهم ذلك.
وكيف كان فهذا التثبيت بالنظر إلى التمثيل بمنزلة إحكام الشجرة الطيبة من جهة ثبوت أصلها في الأرض ، وإذا ثبت أصل الشجرة نمت وتفرعت بالفروع وأتت بالأثمار في كل حين والدنيا والآخرة تحاذيان:"كل حين"فإن الدنيا والآخرة تشملان جميع الأحيان فهذا ما يعطيه السياق من معنى الآية.
وقيل: إن المعنى يثبت الله الذين آمنوا ويقرهم في كرامته وثوابه بالقول الثابت الذي وجد منهم وهو كلمة الإيمان لأنه ثابت بالحجج والأدلة فالمراد بتثبيتهم تقريبهم منه وإسكانهم الجنة وبثبوت قولهم تأيده بالحجة والبرهان ، وفيه أنه تقييد من غير مقيد.
وقيل: المعنى أنه يثبتهم بالتمكين في الأرض والنصرة والفتح والغلبة في الدنيا وإسكان الجنة في الآخرة.
وهو بعيد من السياق.
وقوله:"و يضل الله الظالمين"ظاهر المقابلة بين الظالمين والذين آمنوا في الجملة السابقة أن المراد بهم أهل الكفر بالله وبآياته على أنه تعالى فسر الظالمين بقول مطلق في بعض كلامه بما يقرب منه إذ قال:"إن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون": الأعراف: 45.
والجملة كالنتيجة المستخرجة من المثل الثاني المذكور:"و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار"والمعنى أن الله يضل أهل الكفر بحرمانهم من صراط الهداية فلا يهتدون إلى عيشة سعيدة في الدنيا ولا إلى نعمة باقية ورضوان من الله في الآخرة فلا يوجد عندهم إن كشف عن قلوبهم إلا الشك والتردد والقلق والاضطراب والأسى والأسف والحسرة.
وقوله:"و يفعل الله ما يشاء"أي يجري تثبيت هؤلاء وإضلال أولئك على ما تقتضيه مشيته لا مانع له ولا دافع فلا حائل بين مشيته وفعله.
ويظهر من ذلك أن الله تعالى قد شاء تثبيت هؤلاء وإضلال أولئك وهو فاعلهما لا محالة فمن القضاء المحتوم سعادة المؤمن وشقاء الكافر وقد وردت به الرواية.
ووقوع لفظ الجلالة في قوله:"و يضل الله"وقوله:"و يفعل الله"من وقوع الظاهر موقع المضمر ويدل على فخامة الأمر ومهابة الموقف كما قيل.