و الذي يعطيه التدبر في الآيات أن المراد بالكلمة الطيبة التي شبهت بشجرة طيبة من صفتها كذا وكذا هو الاعتقاد الحق الثابت فإنه تعالى يقول بعد وهو كالنتيجة المأخوذة من التمثيل:"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة"الآية والقول هي الكلمة ولا كل كلمة بما هي لفظ بل بما هي معتمدة على اعتقاد وعزم يستقيم عليه الإنسان ولا يزيغ عنه عملا.
وقد تعرض تعالى لما يقرب من هذا المعنى في مواضع من كلامه كقوله:"إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون": الأحقاف: 13 ، وقوله:"إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا": حم السجدة: 30 ، وقوله:"إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه: فاطر: 10."
وهذا القول والكلمة الطيبة هو الذي يرتب تعالى عليه تثبيته في الدنيا والآخرة أهله وهم الذين آمنوا ثم يقابله بإضلال الظالمين ويقابله بوجه آخر بشأن المشركين ، وبهذا يظهر أن المراد بالممثل هو كلمة التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله حق شهادته.
فالقول بالوحدانية والاستقامة عليه هو حق القول الذي له أصل ثابت محفوظ عن كل تغير وزوال وبطلان وهو الله عز اسمه أو أرض الحقائق ، وله فروع نشأت ونمت من غير عائق يعوقه عن ذلك من عقائد حقة فرعية وأخلاق زاكية وأعمال صالحة يحيي بها المؤمن حياته الطيبة ويعمر بها العالم الإنساني حق عمارته وهي التي تلائم سير النظام الكوني الذي أدى إلى ظهور الإنسان بوجوده المفطور على الاعتقاد الحق والعمل الصالح.
والكمل من المؤمنين وهم الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فتحققوا بهذا القول الثابت والكلمة الطيبة مثلهم كمثل قولهم الذي ثبتوا لا يزال الناس منتفعين بخيرات وجودهم ومنعمين ببركاتهم.
وكذلك كل كلمة حقة وكل عمل صالح مثله هذا المثل ، له أصل ثابت وفروع رشيدة وثمرات طيبة مفيدة نافعة.
فالمثل المذكور في الآية يجري في الجميع كما يؤيده التعبير بكلمة طيبة بلفظ النكرة غير أن المراد في الآية على ما يعطيه السياق هو أصل التوحيد الذي يتفرع عليه سائر الاعتقادات الحقة ، وينمو عليه الأخلاق الزاكية وتنشأ منه الأعمال الصالحة.
ثم ختم الله سبحانه الآية بقوله:"و يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون"ليتذكر به المتذكر أن لا محيص لمريد السعادة عن التحقق بكلمة التوحيد والاستقامة عليها.
قوله تعالى:"و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار"الاجتثاث الاقتلاع ، يقال: جثته واجتثته أي قلعته واقتلعته ، والجث بالضم ما ارتفع من الأرض كالأكمة ، وجثة الشيء شخصه الناتىء.
كذا في المفردات.
والكلمة الخبيثة ما يقابل الكلمة الطيبة ولذا اختلفوا فيها فقال كل قوم فيها ما يقابل ما قاله في الكلمة الطيبة وكذا اختلفوا في المراد بالشجرة الخبيثة فقيل: هي الحنظلة ، وقيل: الكشوث وهو نبت يلتف على الشوك والشجر لا أصل له في الأرض ولا ورق عليه ، وقيل: شجرة الثوم ، وقيل: شجرة الشوك ، وقيل: الطحلب ، وقيل: الكمأة ، وقيل: كل شجرة لا تطيب لها ثمرة.
وقد عرفت حال هذه الاختلافات في الآية السابقة ، وعرفت أيضا ما يعطيه التدبر في معنى الكلمة الطيبة وما مثلت به ويجري ما يقابله في الكلمة الخبيثة وما مثلت به حرفا بحرف فإنما هي كلمة الشرك مثلت بشجرة خبيثة مفروضة اقتلعت من فوق الأرض ليس لها أصل ثابت وما لها من قرار ، وإذ كانت خبيثة فلا أثر لها إلا الضر والشر.
قوله تعالى:"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت"إلى آخر الآية الظاهر أن"بالقول"متعلق بقوله:"يثبت"لا بقوله:"آمنوا"، والباء للآلة أو السببية لا للتعدية ، وأن قوله:"في الحياة الدنيا وفي الآخرة"متعلق أيضا بقوله:"يثبت"لا بقوله:"الثابت".
فيعود المعنى إلى أن الذين آمنوا إذا ثبتوا على إيمانهم واستقاموا ثبتهم الله عليه في الدنيا والآخرة ، ولو لا تثبيته تعالى لهم لم ينفعهم الثبات من أنفسهم شيئا ولم يستفيدوا شيئا من فوائده فإليه تعالى يرجع الأمر كله ، فقوله تعالى:"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت"، في باب الهداية يوازن قوله:"فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم": الصف - 5 ، في باب الإضلال.