فهرس الكتاب

الصفحة 2428 من 4314

و هذا السياق - كما ترى - يشهد أن تابعي إبليس يلومونه يوم القيامة على ما أصابهم من المصيبة على اتباعه متوقعين منه أن يشاركهم في مصابهم بنحو ، وهو يرد عليهم ذلك بأنه لا رابط بينه وبينهم فلا يلحق لومهم إلا بأنفسهم ولا يسعه أن يماسهم ويقترب منهم لأنه يخاف العذاب الأليم الذي هيىء للظالمين وهم ظالمون ، فهو قريب المعنى من قوله تعالى:"كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين": الحشر: 16.

ولعله من هنا قال بعضهم إن المراد بقوله:"إني كفرت"إلخ... كفره في الدنيا على أن يكون"من قبل"متعلقا بقوله:"كفرت"فقط ، أو به وبقوله:"أشركتمون"على سبيل التنازع.

وبالجملة المطلوب العمدة في الآية أن الإنسان هو المسئول عن عمله لأن السلطان له لا لغيره فلا يلومن إلا نفسه ، وأما رابطة التابعية والمتبوعية فهي وهمية لا حقيقة لها وسيظهر هذه الحقيقة يوم القيامة عند ما يتبرأ منه الشيطان ويعيد لائمته إلى نفسه كما بين في الآية السابقة أن الرابطة بين الضعفاء والمستكبرين وهمية لا تغني عنهم شيئا عند ما تقع إليها الحاجة يوم القيامة حين انكشاف الحقائق.

وللمفسرين في فقرات الآية أقوال شتى مختلفة أغمضنا عن إيرادها ، ومن أراد الاطلاع عليها فليراجع مطولات التفاسير.

وفي الآية دلالة واضحة على أن للإنسان سلطانا على عمله هو الذي يوجب ارتباط الجزاء به ويسلبه عن غيره ، وهو الذي يعيد اللائمة إليه لا إلى غيره ، وأما كونه مستقلا بهذا السلطان فلا دلالة فيها على ذلك البتة ، وقد تكلمنا في ذلك في الجزء الأول من الكتاب في ذيل قوله:"و ما يضل به إلا الفاسقين": البقرة: 26.

قوله تعالى:"و أدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات"إلخ بيان ما ينتهي إليه حال السعداء من المؤمنين ، وفي قوله:"تحيتهم فيها سلام"مقابلة حالهم من انعكاس السلام والتحية المباركة من بعضهم إلى بعض مع حال غيرهم المذكورين في الآيتين السابقتين من الخصام وتجبيه بعضهم بعضا بالكفر والتبري والإيئاس.

قوله تعالى:"أ لم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها"ذكروا أن"كلمة"بدل اشتمال من"مثلا"و"كشجرة"صفة بعد صفة لقوله"كلمة"أو خبر مبتدإ محذوف والتقدير هي كشجرة ، وقيل: إن"كلمة"مفعول أول متأخر لضرب و"مثلا"مفعوله الثاني قدم لدفع محذور الفصل بين"كلمة"وصفتها وهي"كشجرة"والتقدير ضرب الله كلمة طيبة كشجرة طيبة إلخ... مثلا.

وقيل:"ضرب"متعد لواحد و"كلمة"منصوب بفعل مقدر كجعل واتخذ والتقدير ضرب الله مثلا جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة إلخ ، وأظن أن هذا أحسن الوجوه لو وجه بكون"كلمة طيبة"إلخ عطف بيان لقوله:"ضرب الله مثلا"من بيان الجملة للجملة ، ويتعين حينئذ نصب"كلمة"بمقدر هو جعل أو اتخذ لأن المدلول أنه مثل الكلمة بالشجرة وشبهها بها وهو معنى قولنا: اتخذ كلمة طيبة كشجرة إلخ.

وقوله:"أصلها ثابت"أي مرتكز في الأرض ضارب بعروقه فيها ، وقوله:"و فرعها في السماء"أي ما يتفرع على ذلك الأصل من أغصانها في جهة العلو فكل ما علا وأظل سماء ، وقوله:"تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها"أي تثمر ثمرها المأكول كل زمان بإذن الله ، وهذا نهاية ما تفيده شجرة من البركات.

واختلفوا في الآية أولا في المراد من الكلمة الطيبة فقيل: هي شهادة أن لا إله إلا الله ، وقيل: الإيمان ، وقيل: القرآن ، وقيل: مطلق التسبيح والتنزيه ، وقيل: الثناء على الله مطلقا ، وقيل: كل كلمة حسنة ، وقيل: جميع الطاعات ، وقيل: المؤمن.

وثانيا في المراد من الشجرة الطيبة فقيل: النخلة وهو قول الأكثرين ، وقيل: شجرة جوز الهند ، وقيل: كل شجرة تثمر ثمرة طيبة كالتين والعنب والرمان ، وقيل: شجرة صفتها ما وصفه الله وإن لم تكن موجودة بالفعل.

ثم اختلفوا في المراد بالحين فقيل: شهران ، وقيل: ستة أشهر ، وقيل: سنة كاملة ، وقيل: كل غداة وعشي ، وقيل: جميع الأوقات.

والاشتغال بأمثال هذه المشاجرات مما يصرف الإنسان عما يهمه من البحث عن معارف كتاب الله والحصول على مقاصد الآيات الكريمة وأغراضها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت