فهرس الكتاب

الصفحة 2427 من 4314

و من هنا يظهر سقوط ما وجه به الرازي في تفسيره كون الاستثناء متصلا إذ قال: إن القدرة على حمل الإنسان على الشيء تارة تكون بالقهر من الحامل وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه ، وذلك بإلقاء الوسواس إليه ، وهذا نوع من أنواع التسلط فكأنه قال: ما كان لي تسلط عليكم إلا بالوسوسة لا بالضرب ونحوه.

وجه السقوط: أن عدم كون مجرد الدعوة سلطانا وتمكنا من القهر على المدعو بديهي لا يقبل التشكيك فعده من أنواع التسلط مما لا يصغى إليه.

نعم: ربما انبعثت من المدعو ميل نفساني إلى المدعو إليه فانقاد للدعوة وسلط الداعي بدعوته على نفسه ، لكنه تسليط من المدعو لا تسلط من الداعي وبعبارة أخرى هي سلطة يملكها المدعو من نفسه فيملكها الداعي وليس الداعي يملكها عليه من نفسه ، وإبليس إنما ينفي التسلط الذي يملكه من نفسه لا ما يسلطونه على أنفسهم بالانقياد بقرينة قوله:"فلا تلوموني ولوموا أنفسكم".

وهذا هو التسلط الذي يثبته الله سبحانه له في قوله:"إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون": النحل: 100 ، أو قوله:"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين": الحجر: 42 ، والآيات - كما ترى - ظاهرة في أن سلطانه متفرع على الاتباع والتولي والإشراك لا بالعكس.

ولانتفاء سلطانه عليهم بالمرة استنتج قوله بعد:"فلا تلوموني ولوموا أنفسكم"والفاء للتفريع أي إذا لم يكن لي عليكم سلطان بوجه من الوجوه - كما يدل عليه وقوع النكرة في سياق النفي والتأكيد بمن في قوله:"و ما كان لي عليكم من سلطان"- فلا يعود إلى شيء من اللوم العائد إليكم من جهة الشرك والمعصية فلا يحق لكم أن تلوموني بل الواجب عليكم أن تلوموا أنفسكم لأن لكم السلطان على عملكم.

وقوله:"ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي"أي ما أنا بمغيثكم ومنجيكم وما أنتم بمغيثي ومنجي فلا أنا شافع لكم ولا أنتم شافعون لي اليوم.

وقوله:"إني كفرت بما أشركتمون من قبل"أي إني تبرأت من إشراككم إياي في الدنيا ، والمراد بالإشراك الإشراك في الطاعة دون الإشراك في العبادة كما يظهر من قوله تعالى خطابا لأهل الجمع:"أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني": يس: 61.

وهذا الكلام منه تبر من شركهم كما حكى سبحانه تبري كل متبوع باطل من تابعه يوم القيامة وهو إظهار أن إشراكهم إياه بالله في الدنيا لم يكن إلا وهما سرابيا قال تعالى:"و يوم القيامة يكفرون بشرككم": فاطر: 14 وقال:"و قال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا: البقرة: 167 وقال:"قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم": القصص: 64."

وقوله:"إن الظالمين لهم عذاب أليم"من تمام كلام إبليس على ما يعطيه السياق يسجل عليهم العذاب الأليم لأنهم ظالمون ظلما لا يرجع إلا إلى أنفسهم.

وظاهر السياق أن قوله:"ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي"كناية عن انتفاء الرابطة بينه وبين تابعيه كما يشير تعالى إليه في مواضع أخرى بمثل قوله:"لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون": الأنعام: 94 وقوله:"فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون": يونس: 28.

وذلك لظهور أنه لو لم يكن كناية لكان قوله:"و ما أنتم بمصرخي"مستدركا مستغنى عنه لعدم تعلق غرض به فلا هم يتوهمون أنهم قادرون على إغاثة إبليس والشفاعة له ولا هو يتوهم ذلك ولا المقام يوهم ذلك فهو يقول:"لا تلوموني ولوموا أنفسكم"لأن الرابطة مقطوعة بيني وبينكم لا ينفعكم أني كنت متبوعكم ولا ينفعني أنكم كنتم أتباعي إني تبرأت من شرككم فلست بشريك له تعالى ، وإنما تبرأت لأنكم ظالمون في أنفسكم والظالمون لهم عذاب أليم لا مسوغ يومئذ للحماية عنهم والتقرب منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت