فهرس الكتاب

الصفحة 2426 من 4314

و الشيطان وإن كان بمعنى الشرير وربما أطلق في كلامه تعالى على كل شرير من الجن والإنس كقوله:"و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن": الأنعام: 112 ، لكن المراد به في الآية الشيطان الذي هو مصدر كل غواية وضلال في بني آدم وهو إبليس فإن ظاهر السياق أنه يخاطب بكلامه هذا عامة الظالمين من أهل الجمع ويعترف أنه كان يدعوهم إلى الشرك ، وقد نص القرآن على أن الذي له هذا الشأن هو إبليس وقد ادعى هو ذلك ولم يرد الله ذلك عليه كما في قوله:"قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين - إلى أن قال - لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين": ص: 85.

وأما ذريته وقبيله الذين يذكرهم القرآن بقوله:"إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون": الأعراف: 27 ، وقوله:"أ فتتخذونه وذريته أولياء": الكهف: 50 فولاية الواحد منهم إما لبعض الناس دون بعض أو في بعض الأعمال دون بعض وأما ولاية على نحو العونية فهو العون ، والأصل الذي ينتهي إليه أمر الإضلال والإغواء هو إبليس.

فهذا القائل:"إن الله وعدكم وعد الحق"إلخ هو إبليس يريد بكلامه رد اللوم على فعل المعاصي إليهم والتبري من شركهم فقوله:"إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم"أي وعدكم الله وعدا حققه الوقوع وصدقته المشاهدة من البعث والجمع والحساب وفصل القضاء والجنة والنار ، ووعدتكم أنا أن لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار ولم أف بما وعدت حيث ظهر خلاف ما وعدت.

كذا ذكره المفسرون.

وعلى هذا فالموعود جميع ما يرجع إلى المعاد إثباتا ونفيا أثبته الله سبحانه ونفاه إبليس ، وإخلاف الوعد كناية عن ظهور الكذب وعدم الوقوع من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم.

ومن الممكن - بل هو الوجه - أن يشمل الوعد ما يترتب على الإيمان والشرك في الدنيا والآخرة جميعا لأنهما متطابقتان فقد وعد الله أهل الإيمان حياة طيبة وعيشة سعيدة ، وأهل الشرك المعرضين عن ذكره معيشة ضنكا وتحرجا في صدورهم وعذابا في قلوبهم في الدنيا ، ووعد الجميع بعثا وحسابا وجنة ونارا في الآخرة.

ووعد إبليس أولياءه بالأهواء اللذيذة والآمال الطويلة وأنساهم الموت وصرفهم عن البعث والحساب وخوفهم الفقر والذلة وملامة الناس ، وكان مفتاحه في جميع ذلك إغفالهم عن مقام ربهم وتزيين ما بين أيديهم من الأسباب مستقلة بالتأثير خالقة لآثارها وتصوير نفوسهم لهم في صورة الاستقلال مهيمنة على سائر الأسباب تدبرها كيف شاءت فتغريهم على الاعتماد بأنفسهم دون الله وتسخير الأسباب في سبيل الآمال والأماني.

وبالجملة وعدهم الله فيما يرجع إلى الدنيا والآخرة بما وفى لهم فيه ، ودعاهم إبليس من طريق الإغفال والتزيين إلى الأوهام والأماني وهي بين ما لا يناله الإنسان قطعا وما إذا ناله وجده غير ما كان يظنه ، فيتركه إلى ما يظنه كما يريد هذا في الدنيا وأما الآخرة فينسيه شئونها كما تقدم.

وقوله:"و ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي"السلطان - كما ذكره الراغب - هو السلاطة وهو التمكن من القهر ، وتسمى الحجة أيضا سلطانا لما فيها من التمكن من قهر العقول على ما لها من النتائج ، وكثيرا ما يطلق ويراد به ذو السلطان كالملك وغيره.

والظاهر أن المراد ما هو أعم من السلطة الصورية والمعنوية فالمعنى وما كان في الدنيا لي عليكم من تسلط لا من جهة أشخاصكم وأعيانكم فأجبركم على معصية الله بسلب اختياركم وتحميل إرادتي عليكم ، ولا من جهة عقولكم فأقيم لكم الحجة على الشرك كيفما شئت فتضطر عقولكم لقبوله وتطيعها نفوسكم فيما تأمرها به.

والظاهر أيضا أن يكون الاستثناء في قوله:"إلا أن دعوتكم"منقطعا والمعنى لكن دعوتكم من غير أي سلطان فاستجبتم لي ، ودعوته الناس إلى الشرك والمعصية وإن كانت بإذن الله لكنها لم تكن تسليطا فإن الدعوة إلى فعل ليست تسلطا من الداعي على فعل المدعو وإن كان نوع تسلط على نفس الدعوة ، ومن الدليل عليه قوله تعالى فيما يأذن له"و استفزز من استطعت منهم بصوتك - إلى أن قال - وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا": إسراء: 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت