فهرس الكتاب

الصفحة 2425 من 4314

و بعبارة أخرى إذهاب الإنسان فقط من غير إتيان بخلق جديد على إبقاء لسائر الخلق المشهود لعب باطل كما أن إذهاب الخلق من أصله من غير غاية مترتبة لعب باطل ، وإنما الحق الذي يكشف عن غناه تعالى أن يذهب قوما ويأتي بآخرين وهو الذي تذكره الآية الكريمة فافهم ذلك.

قوله تعالى:"و برزوا لله جميعا"إلى آخر الآية ، البروز هو الخروج إلى البراز بفتح الباء وهو الفضاء يقال: برز إليه إذا خرج إليه بحيث لا يحجبه عنه حاجب ، ومنه المبارزة والبراز كخروج المقاتل من الصف إلى كفئه من العدو.

والتبع بفتحتين جمع تابع كخدم وخادم ، وقيل: اسم جمع ، وقيل: مصدر جيء به للمبالغة ، والإغناء الإفادة وضمن معنى الدفع ولذا عدي بعن كما قيل ، والجزع والصبر متقابلان ، والمحيص اسم مكان من حاص يحيص حيصا وحيوصا إذا زال عن المكروه كما في المجمع فالمحيص هو المكان الذي يزول إليه الإنسان عن المكروه والشدة.

وقوله:"و برزوا لله جميعا"أي ظهروا له تعالى ظهورا لا يحجبهم عنه حاجب وهذا بالنسبة إلى أنفسهم حيث كانوا يتوهمون في الدنيا أن ربهم في غيبة عنهم وهم غائبون عنه ، فإذا كان يوم القيامة زال كل ستر متوهم وشاهدوا أن لا حاجب هناك يحجبهم عنه ، وأما هو تعالى فلا ساتر يستر عنه في دنيا ولا آخرة ، قال تعالى:"إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء": آل عمران: 5.

ويمكن أن تكون الجملة كناية عن خلوصهم لحساب الأعمال وتعلق المشيئة الإلهية بانقطاع الأعمال وإنجاز الجزاء الموعود كما قال:"سنفرغ لكم أيها الثقلان": الرحمن: 31.

وقوله:"فقال الضعفاء للذين استكبروا - إلى قوله - من شيء"تخاصم بين الكفار يوم القيامة - على ما يعطيه السياق - فالضعفاء هم المقلدون المطيعون لأوليائهم من الكفار ، والمستكبرون هم أولياؤهم المتبوعون أولوا الطول والقوة المستنكفون عن الإيمان بالله وآياته.

والمعنى فقال الضعفاء المقلدون للذين استكبروا منهم إنا كنا في الدنيا لكم تابعين مطيعين من غير أن نسألكم حجة على ما تأمروننا به فهل أنتم مفيدون لنا اليوم تدفعون عنا شيئا من عذاب الله الذي قضي علينا.

وعلى هذا فلفظة"من"في قوله"من عذاب الله"للبيان ، وفي قوله"من شيء"زائدة للتأكيد كما في قولنا: ما جاءني من أحد ، والنفي والاستفهام متقاربان حكما ولا دليل على امتناع تقدم البيان على المبين وخاصة مع اتصالهما وعدم الفصل بينهما.

وقوله:"قالوا لو هدانا الله لهديناكم"ظاهر السياق أن المراد بالهداية هنا الهداية إلى طريق التخلص من العذاب ويمكن أن يكون المراد بها الهداية إلى الدين الحق في الدنيا ، والمآل واحد لما بين الدنيا والآخرة من التطابق ، ولا يبرز في الأخرى إلا ما كان كامنا في الأولى ، قال تعالى حكاية عن أهل الجنة:"و قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق": الأعراف: 43 مزجوا الهدايتين بعضا ببعض كما هو ظاهر.

وقوله:"سواء علينا أ جزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص"سواء والاستواء والتساوي واحد ، وسواء خبر لمبتدإ محذوف والجملة الاستفهامية بيان لذلك ، وقوله:"ما لنا من محيص"بيان آخر للتساوي ، والمعنى الأمران متساويان علينا وبالنسبة إلينا وهما الجزع والصبر لا مهرب لنا عن العذاب اللازم.

قوله تعالى:"و قال الشيطان لما قضي الأمر"إلى آخر الآية في المجمع الإصراخ الإغاثة بإجابة الصارخ ويقال: استصرخني فلان فأصرخته أي استغاث بي فأغثته.

انتهى.

وهذا كلام جامع يلقيه الشيطان يوم القيامة إلى الظالمين يبين فيه موقعه منهم وينبىء أهل الجمع منهم بوجه الحق في الرابطة التي كانت بينه وبينهم في الدنيا وقد وعد الله سبحانه أنه سينبؤهم يوم القيامة بما كانوا فيه يختلفون ، وأن الحق سيظهر يوم القيامة عن قبل كل من كان له من قبله خفاء أو التباس ، فالملائكة يتبرءون من شركهم والجن والقرناء من الشياطين يطردونهم والأصنام والآلهة التي اتخذوها أربابا من دون الله يكفرون بشركهم ، وكبراؤهم وأئمة الضلال لا يستجيبون لهم ، والمجرمون أنفسهم يعترفون بضلالهم وجرمهم ، كل ذلك واقعة في آيات كثيرة غير خفية على المتتبع المتدبر فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت