فهرس الكتاب

الصفحة 2424 من 4314

ثم الفعل الحق ويقابله الباطل هو الذي يكون لفاعله فيه غاية مطلوبة يسلك إليه بذاته فمن المشهود أن كل واحد من الأنواع من أول تكونه متوجه إلى غاية مؤجلة لا بغية له دون أن يصل إليها ثم البعض منها غاية للبعض ينتفع به في طريق كينونته ويصلح به في حدوثه وبقائه كالعناصر الأرضية التي ينتفع بها النبات ، والنبات الذي ينتفع به الحيوان وهكذا قال تعالى:"و ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون": الدخان: 39.

وقال:"و ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا": ص: 27.

فلا تزال الخلقة تقع مرحلة بعد مرحلة وتنال غاية بعد غاية حتى تتوقف في غاية لا غاية بعدها ، وذلك رجوعها إلى الله سبحانه ، قال تعالى:"و أن إلى ربك المنتهى": النجم: 42.

وبالجملة الفعل إنما يكون فعلا حقا إذا كان له أمر يقصده الفاعل بفعله وغاية يسلك بالفعل إليها ، وأما إذا كان فعلا لا يقصد به إلا نفسه من غير أن يكون هناك غرض مطلوب فهو الفعل الباطل ، وإذا كان الفعل الباطل ذا نظام وترتيب فهو الذي يسمى لعبا كما يلعب الصبيان بإتيان حركات منظمة مرتبة لا غاية لهم وراءها ولا أن لهم هما إلا إيجاد ما تخيلوه من صورة الفعل لشوق نفساني منهم إلى ذلك.

وفعله تعالى ملازم للحق مصاحب له فخلق السماوات والأرض يخلف عالما باقيا بعد زواله ، ولو لم يكن كذلك كان باطلا لا أثر له ولا خلف يخلفه ، وكان العالم المشهود بما فيه من النظام البديع لعبا منه سبحانه اتخذه لحاجة منه إليه كالتنفس من كرب وسأمة والتفرج من هم أو التخلص من وحشة وحدة ونحو ذلك وهو سبحانه العزيز الحميد لا تمسه حاجة ولا يذله فقر وفاقة.

وبما مر يظهر أن الباء في قوله:"بالحق"للمصاحبة وأن قول بعضهم: إن الباء للسببية أو الآلة وإن المعنى كيف خلقها بقوله الحق أو للغرض الحق ليس على ما ينبغي.

قوله تعالى:"إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز"أي بشاق صعب والخطاب لعامة البشر بجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مثالا لهم يمثلون به لأن الخطاب متوجه إليه في قوله قبل وبعد:"أ لم تر""و ما ذلك".

قد تقدم أن كون الخلقة بالحق هو مقتضى كونه تعالى عزيزا غنيا بالذات إذ لو لم يقتض غناه ذلك وأمكن صدور اللعب منه تعالى وكان هذا الخلق المشهود بما له من النظام البديع لعبا لا يقصد به إلا حدوث وفناء كان ذلك لشوق خيالي منه إليه وحاجة داخلية كتنفيس كرب وتفريج هم أو أنس عن وحشة وسأمة ونحو ذلك وغناه تعالى بالذات يدفع ذلك.

ولعل هذه النكتة هي التي أوجبت تعقيب قوله:"إن الله خلق السماوات والأرض"بقوله:"إن يشأ يذهبكم"إلخ فقوله:"إن يشأ يذهبكم"إلخ ، في موضع البيان لما تقدمه والمعنى أ لم تعلم أن الله خلق هذا الخلق المشهود عن عزة منه وغنى وأنه إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك عليه تعالى بعزيز وهو الله عز اسمه له الأسماء الحسنى وكل العزة والكبرياء.

وبهذا يظهر أن وضع الظاهر في موضع المضمر في قوله:"على الله"للدلالة على الحجة وأن عدم عزة ذلك عليه تعالى من جهة كونه هو الله عز اسمه.

فإن قلت: لو كان الإتيان بقوله:"إن يشأ"إلخ ، للدلالة على غناه المطلق وعدم كونه لاعبا بالخلق لكان الأنسب الاقتصار على قوله:"إن يشأ يذهبكم"وترك قوله:"و يأت بخلق جديد"فإن إذهاب القديم والإتيان بجديد لا ينفي اللعب لجواز أن يكون نفس إذهاب بعض وإتيان بعض لعبا.

قلت: هذا كذلك لو قيل: إن يشأ يذهب جميع الخلق ويأت بخلق جديد ولكن لما قيل:"إن يشأ يذهبكم"إلخ والخطاب لعامة البشر أو لأمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط أو للموجودين في عصره كان من اللازم أن يعقبه بقوله:"و يأت بخلق جديد"فإن هذا الخلق المشهود بما بين أجزائه من الارتباط والتعلق لا يتم الغرض منه إلا بهذه الصفة الموجودة والتركب والتآلف الخاص ، ولو أذهب الناس على بقاء من السماوات والأرض بحالها الحاضرة كان ذلك باطلا ولعبا من جهة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت