فهرس الكتاب

الصفحة 2203 من 4314

و قوله تعالى:"حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون": المؤمنون: 100 تذكر الآية أنهم بعد الموت في حياة برزخية متوسطة بين الحياة الدنيوية التي هي لعب ولهو والحياة الأخروية التي هي حقيقة الحياة كما قال:"و ما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون": العنكبوت: 64.

وبالجملة الدنيا دار عمل والبرزخ دار تهيؤ للحساب والجزاء ، والآخرة دار حساب وجزاء ، قال تعالى:"يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا": التحريم: 8 فهم يحضرونه بما كسبوه في الدنيا من النور وهيئوه في البرزخ ثم يسألونه يوم القيامة إتمام نورهم وإذهاب ما معهم من بقايا عالم اللهو واللعب.

وقوله:"و ذلك يوم مشهود"كالمتفرع بظاهره على الجملة السابقة.

"ذلك يوم مجموع له الناس"إذ الجمع يوجب المشاهدة غير أن اللفظ غير مقيد بالناس وإطلاقه يشعر بأنه مشهود لكل من له أن يشهد كالناس والملائكة والجن ، والآيات الكثيرة الدالة على حشر الجن والشياطين وحضور الملائكة هناك يؤيد إطلاق الشهادة كما ذكر.

قوله تعالى:"و ما نؤخره إلا لأجل معدود"أي إن لذلك اليوم أجلا قضى الله أن لا يقع قبل حلول أجله والله يحكم لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ، ولا يؤخر اليوم إلا لأجل يعده فإذا تم العدد وحل الأجل حق القول ووقع اليوم.

قوله تعالى:"يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه"فاعل"يأت"ضمير راجع إلى الأجل السابق الذكر أي يوم يأتي الأجل الذي تؤخر القيامة إليه لا تتكلم نفس إلا بإذنه ، قال تعالى:"من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت": العنكبوت: 5.

وذكر بعضهم كما في المجمع أن المعنى يوم يأتي القيامة والجزاء ، ولازمه إرجاع الضمير إلى القيامة والجزاء لدلالة سابق الكلام إليه بوجه ، وهو تكلف لا حاجة إليه.

وذكر آخرون - كما في تفسير صاحب المنار - أن المعنى في الوقت الذي يجيء فيه ذلك اليوم المعين لا تتكلم نفس من الأنفس الناطقة إلا بإذن الله تعالى فالمراد باليوم في الآية مطلق الوقت أي غير المحدود لأنه ظرف لليوم المحدود الموصوف بما ذكر الذي هو فاعل يأتي.

وهو خطأ لاستلزامه ظرفية اليوم لليوم لعود المعنى حقيقة إلى قولنا: في الوقت الذي يجيء فيه ذلك الوقت المعين أو اليوم الذي يجيء فيه ذلك اليوم المعين ، والتفرقة بين اليومين يجعل أحدهما خاصا ومعينا والآخر عاما ومرسلا لا ينفع في دفع محذور ظرفية الشيء لنفسه ومظروفية الزمان - وهو ظرف بذاته - لزمان آخر وهو محال لا ينقلب ممكنا بتغيير اللفظ.

وما ذكره من التفرقة بين اليومين بالإطلاق والتحديد مجرد تصوير لا تغني شيئا فإن اليوم الذي يأتي فيه ذلك اليوم الموصوف وذلك اليوم الموصوف متساويان إطلاقا وتحديدا وسعة وضيقا ، نعم ربما يؤخذ الزمان متحدا بما يقع فيه من الحوادث فيصير حادثا من الحوادث وتلغى ظرفيته فيجعل مظروفا لزمان آخر كما يقال يوم الأضحى في شهر ذي الحجة ويوم عاشوراء في المحرم ، قال تعالى:"و يوم تقوم الساعة": الجاثية: 27 فإن صحت هذه العناية في الآية أمكن به أن يعود ضمير يأتي إلى اليوم.

وقوله:"لا تكلم نفس إلا بإذنه"أي لا تتكلم نفس ممن حضر إلا بإذن الله سبحانه ، وحذف أحد التاءين المجتمعين في المستقبل من باب التفعل شائع قياسي.

والباء في قوله:"بإذنه"للمصاحبة فالاستثناء في الحقيقة من الكلام لا من المتكلم كما في قوله:"لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن": النبأ: 38 والمعنى لا تتكلم نفس بشيء من الكلام إلا بالكلام الذي يصاحب إذنه لا كالدنيا يتكلم فيها الواحد منهم بما اختاره وأراده ، أذن فيه الله إذن تشريع أم لم يأذن.

وقد ذكرت الصفة أعني عدم تكلم نفس إلا بإذنه من خواص يوم القيامة المعرفة له ، وليست بمختصة به فإنه لا تتكلم أي نفس من النفوس ولا يحدث أي حادث من الحوادث دائما إلا بإذنه من غير أن يختص ذلك بيوم القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت