و قد تقدم في بعض أبحاثنا السابقة أن غالب ما ورد في القرآن الكريم من معرفات يوم القيامة في سياق الأوصاف الخاصة به يعمه وغيره كقوله تعالى:"يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء: المؤمن - 16 وقوله يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم: المؤمن: 33 وقوله:"يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله": الانفطار: 19 إلى غير ذلك من الآيات ، ومن المعلوم أنه تعالى لا يخفى عليه شيء دائما ، وليس لشيء منه عاصم دائما ، ولا يملك نفس لنفس شيئا إلا بإذنه دائما ، وله الخلق والأمر دائما."
لكن الذي يهدي إليه التدبر في أمثال قوله تعالى: لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد": ق: 22 وقوله حكاية عن المجرمين:"ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون": الم السجدة: 12 ، وقوله:"و يوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم - إلى أن قال هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون": يونس: 30 إن يوم القيامة ظرف يجمع الله فيه العباد ويزيل الستر والحجاب دونهم فيظهر فيه الحقائق ظهورا تاما وينجلي ما هو وراء غطاء الغيب في هذه النشأة وعند ذلك لا يختلج في صدورهم شك أو ريب ، ولا يهجس قلوبهم هاجس ، ويعاينون أن الله هو الحق المبين ، ويشاهدون أن القوة لله جميعا ، وأن الملك والعصمة والأمر والقهر له وحده لا شريك له."
وتسقط الأسباب عما كان يتوهم لها من الاستقلال في نشأة الدنيا وينقطع البين وتزول روابط التأثير التي بين الأشياء وعند ذلك تنتثر كواكب الأسباب وتنطمس نجوم كانت تهتدي به الأوهام في ظلماتها ، ولا تبقى لذي ملك ملك يستقل به ، ولا لذي سلطان وقوة ما يتعزز معه ، ولا لشيء ملجأ وملاذ يلجأ إليه ويلوذ به ويعتصم بعصمته ، ولا ستر يستر شيئا عن شيء ويحجبه دونه ، والأمر كله لله الواحد القهار لا يملك إلا هو.
وهذا معنى قوله:"يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء"وقوله:"ما لكم من الله من عاصم"وقوله:"يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله"إلى غير ذلك من الآيات وهي جميعا تنفي ما تزينه أوهام الناس في هذه النشأة الدنيوية التي ليست إلا لهوا ولعبا إن هذه الأسباب تملك معنى التأثير ، وتتلبس بأوصاف الملك والسلطنة والقوة والعصمة والعزة والكرامة تلبسا حقيقيا استقلاليا ، وأنها هي المعطية والمانعة والنافعة والضارة لا بغية في سواها ولا خير فيما عداها.
ومن هنا يمكن الاستئناس بمعنى قوله.
"يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه"وقد تكرر هذا المعنى في آيات أخرى بما يقرب من هذا اللفظ كقوله تعالى:"لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا": النبأ: 38 ، وقوله: هذا يوم لا ينطقون": المرسلات: 35."
وذلك أن الله تعالى يقول فيما يصف هذا اليوم"يوم تبلى السرائر: الطارق - 9 ويقول:"إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله": البقرة: 284 فيبين أن الحساب يومئذ بما في النفوس من الأحوال والأعراض الحسنة أو السيئة لا بما يستكشف منها بأسباب الكشف كما في هذه النشأة الدنيوية."
فما كان تحت أستار الخفاء في الدنيا من خبايا النفوس ومطويات القلوب فهو ظاهر مكشوف الغطاء يوم القيامة ، وما هو من الغيب اليوم فهو شهادة غدا ، والتكلم الذي نتداوله نحن معاشر الناس فيما بيننا إنما هو باستخدام أصوات مؤلفة تدل بنحو من الوضع والاعتبار على معان تستكن في ضمائرنا ، وإنما الباعث لنا على وضعها وتداولها الحاجة الاجتماعية إلى اهتداء بعضنا إلى ما في ضمير آخرين لامتناعه من تعلق الحس به.
والتكلم من الأسباب الاجتماعية نتوسل به لكشف ما في الضمير من المعاني المكنونة وهو متقوم بخروج ما في الأذهان عن إحاطة الإنسان ، ولو كنا ممدين بحس ينال المعاني الذهنية ويعاينها كما يهتدي - مثلا البصر إلى الأضواء والألوان واللمس إلى الحرارة والبرودة والخشونة - والملاسة لم نحتج إلى وضع اللغات والتكلم بها ولا كان بيننا ما يسمى كلمة أو كلاما ، وكذا لو كان النوع الإنساني يعيش في حياته الدنيا عيشة انفرادية غير اجتماعية لم يكن من النطق خبر ولا انعقدت له نطفة.