فهرس الكتاب

الصفحة 3212 من 4314

و تقديم الجن في الذكر على الإنس والطير لكون تسخيرهم ودخولهم تحت الطاعة عجيبا ، وذكر الإنس بعده دون الطير مع كون تسخيرها أيضا عجيبا رعاية لأمر المقابلة بين الجن والإنس.

قوله تعالى:"حتى إذا أتوا على واد النمل"الآية ،"حتى"غاية لما يفهم من الآية السابقة ، وضمير الجمع لسليمان وجنوده ، وتعدية الإتيان بعلى قيل: لكون

الإتيان من فوق ، ووادي النمل واد بالشام على ما قيل ، وقيل في أرض الطائف ، وقيل: في أقصى اليمن ، والحطم الكسر.

والمعنى: فلما سار سليمان وجنوده حتى أتوا على وادي النمل قالت نملة مخاطبة لسائر النمل: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يكسرنكم سليمان وجنوده أي لا يطأنكم بأقدامهم وهم لا يشعرون.

وفيه دليل على أنهم كانوا يسيرون على الأرض.

قوله تعالى:"فتبسم ضاحكا من قولها"إلى آخر الآية ، قيل: التبسم دون الضحك ، وعلى هذا فالمراد بالضحك هو الإشراف عليه مجازا.

ولا منافاة بين قوله (عليه السلام) :"علمنا منطق الطير"وبين فهمه كلام النملة إذ لم ينف فهمه كلام سائر الحيوان أو كلام بعضها كالنملة.

وقد تسلم جمع منهم دلالة قوله:"علمنا منطق الطير"على نفي ما عداه فتكلفوا في توجيه فهمه (عليه السلام) قول النملة تارة بأنه كانت قضية في واقعة ، وأخرى بتقدير أنها كانت نملة ذات جناحين وهي من الطير ، وثالثة بأن كلامها كان من معجزات سليمان (عليه السلام) ورابعة بأنه (عليه السلام) لم يسمع منها صوتا قط وإنما فهم ما في نفس النملة إلهاما من الله تعالى هذا.

وما تقدم من معنى منطق الحيوان يزاح به هذه الأوهام.

على أن سياق الآيات وحده كاف في دفعها.

وقوله:"و قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه"الإيزاع الإلهام.

تبسم (عليه السلام) مبتهجا مسرورا بما أنعم الله عليه حتى أوقفه هذا الموقف وهي النبوة والعلم بمنطق الحيوان والملك والجنود من الجن والإنس والطير فسأل الله أن يلهمه شكر نعمته وأن يعمل بما فيه رضاه سبحانه.

وقد جعل الشكر للنعمة التي أنعم الله تعالى بها على نفسه مختصة به ، وللنعمة التي أنعم بها على والديه فإن الإنعام على والديه إنعام عليه بوجه لكونه منهما وقد أنعم الله تعالى على أبيه داود بالنبوة والملك والحكمة وفصل الخطاب وغيرها وأنعم على أمه حيث زوجها من داود النبي ورزقها سليمان النبي وجعلها من أهل بيت النبوة.

وفي كلامه هذا دليل على أن والدته من أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم 1 وهم إحدى الطوائف الأربع المذكورين في قوله تعالى:"الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين": النساء: 69.

وقوله:"و أن أعمل صالحا ترضاه"عطف على قوله:"أن أشكر نعمتك"ومسألته هذه:"أوزعني أن أعمل"إلخ ، أمر أرفع قدرا وأعلى منزلة من سؤال التوفيق للعمل الصالح فإن التوفيق يعمل في الأسباب الخارجية بترتيبها بحيث توافق سعادة الإنسان والإيزاع الذي سأله دعوة باطنية في الإنسان إلى السعادة ، وعلى هذا فليس من البعيد أن يكون المراد به الوحي الذي أكرم الله به إبراهيم وآله فيما يخبر عنه بقوله:"و أوحينا إليهم فعل الخيرات"الآية: الأنبياء: 73 ، وهو التأييد بروح القدس على ما مر في تفسير الآية.

وقوله:"و أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين"أي اجعلني منهم ، وهذا الصلاح لما لم يتقيد بالعمل كان هو صلاح الذات وهو صلاح النفس في جوهرها الذي يستعد به لقبول أي كرامة إلهية.

ومن المعلوم أن صلاح الذات أرفع قدرا من صلاح العمل ففي قوله:"و أن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين"تدرج في المسألة من الأدنى إلى الأعلى وقد كان صلاح العمل منسوبا إلى صنعه واختياره بوجه دون صلاح الذات ولذا سأل صلاح الذات من ربه ولم يسأل نفس صلاح العمل بل أن يوزعه أن يعمل.

وفي تبديله سؤال صلاح الذات من سؤال أن يدخله في عباده الصالحين إيذان بسؤاله ما خصهم الله به من المواهب وأغزرها العبودية وقد وصفه الله بها في قوله:"نعم العبد إنه أواب": ص: 30.

قوله تعالى:"و تفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين"قال الراغب: التفقد التعهد لكن حقيقة التفقد تعرف فقدان الشيء والتعهد تعرف العهد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت