فهرس الكتاب

الصفحة 3213 من 4314

المتقدم قال تعالى:"و تفقد الطير"انتهى.

استفهم أولا متعجبا من حال نفسه إذ لا يرى الهدهد بين الطير كأنه لم يكن من المظنون في حقه أن يغيب عن موكبه ويستنكف عن امتثال أمره ثم أضرب عن ذلك بالاستفهام عن غيبته.

والمعنى: ما بالي لا أرى الهدهد بين الطيور الملازمة لموكبي بل أ كان من الغائبين.

قوله تعالى:"لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين"اللامات للقسم والسلطان المبين البرهان الواضح ، يقضي (عليه السلام) على الهدهد أحد ثلاث خصال: العذاب الشديد والذبح وفيهما شقاؤه ، والإتيان بحجة واضحة وفيه خلاصه ونجاته.

قوله تعالى:"فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين"ضمير"فمكث"لسليمان ويحتمل أن يكون للهدهد ويؤيد الأول سابق السياق والثاني لاحقه ، والمراد بالإحاطة العلم الكامل ، وقوله:"و جئتك"إلخ ، بمنزلة عطف التفسير لقوله:"أحطت"إلخ ، وسبأ بلدة باليمن كانت عاصمته يومئذ والنبأ الخبر الذي له أهمية ، واليقين ما لا شك فيه.

والمعنى: فمكث سليمان - أو فمكث الهدهد - زمانا غير بعيد - ثم حضر فسأله سليمان عن غيبته وعاتبه - فقال أحطت من العلم بما لم تحط به وجئتك من سبإ بخبر مهم لا شك فيه.

ومنه يظهر أن في الآية حذفا وإيجازا ، وقد قيل: إن في قول الهدهد:"أحطت بما لم تحط به"كسرا لسورة سليمان (عليه السلام) فيما شدد عليه.

قوله تعالى:"إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم"الضمير في"تملكهم"لأهل سبإ وما يتبعها وقوله:"و أوتيت من كل شيء"وصف لسعة ملكها وعظمته وهو القرينة على أن المراد بكل شيء في الآية كل شيء هو من لوازم الملك العظيم من حزم وعزم وسطوة ومملكة عريضة وكنوز وجنود مجندة ورعية مطيعة ، وخص بالذكر من بينها عرشها العظيم.

قوله تعالى:"وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله"إلخ ، أي إنهم

من عبدة الشمس من الوثنيين.

وقوله:"و زين لهم الشيطان أعمالهم"بمنزلة عطف التفسير لما سبقه وهو مع ذلك توطئة لقوله بعد:"فصدهم عن السبيل"لأن تزيين الشيطان لهم أعمالهم التي هي سجدتهم وسائر تقرباتهم هو الذي صرفهم ومنعهم عن سبيل الله وهي عبادته وحده.

وفي إطلاق السبيل من غير إضافتها إليه تعالى إشارة إلى أنها السبيل المتعينة للسبيلية بنفسها للإنسان بالنظر إلى فطرته بل لكل شيء بالنظر إلى الخلقة العامة.

وقوله:"فهم لا يهتدون"تفريع على صدهم عن السبيل إذ لا سبيل مع الصد عن السبيل فلا اهتداء ، فافهمه.

قوله تعالى:"ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون"القراءة الدائرة"إلا"- بتشديد اللام - مؤلف من"أن ولا"وهو عطف بيان من"أعمالهم"، والمعنى: زين لهم الشيطان أن لا يسجدوا لله ، وقيل: بتقدير لام التعليل ، والمعنى: زين لهم الشيطان ضلالتهم لئلا يسجدوا لله.

والخبء على ما في مجمع البيان ، المخبوء وهو ما أحاط به غيره حتى منع من إدراكه وهو مصدر وصف به يقال: خبأته أخبئه خبأ وما يوجده الله تعالى فيخرجه من العدم إلى الوجود يكون بهذه المنزلة.

انتهى.

ففي قوله:"يخرج الخبء في السماوات والأرض"استعارة كأن الأشياء مخبوءة مستورة تحت أطباق العدم فيخرجها الله تعالى إلى الوجود واحدا بعد آخر فيكون تسمية الإيجاد بعد العدم إخراجا للخبء قريبا من تسميته بالفطر وتوصيفه تعالى بأنه فاطر السماوات والأرض والفطر هو الشق كأنه يشق العدم فيخرج الأشياء.

ويمكن حمل الجملة على الحقيقة من غير استعارة لكنه مفتقر إلى بيان موضعه غير هذا الموضع.

وقيل: المراد بالخبء الغيب وإخراجه العلم به وهو كما ترى.

وقوله:"و يعلم ما تخفون وما تعلنون"بالتاء على الخطاب أي يعلم سركم وعلانيتكم ، وقرأ الأكثرون بالياء على الغيبة وهو أرجح.

وملخص الحجة: أنهم إنما يسجدون للشمس دون الله تعظيما لها على ما أودع الله سبحانه في طباعها من الآثار الحسنة والتدبير العام للعالم الأرضي وغيره ، والله الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت