فهرس الكتاب

الصفحة 3214 من 4314

أخرج جميع الأشياء من العدم إلى الوجود ومن الغيب إلى الشهادة فترتب على ذلك نظام التدبير من أصله - ومن جملتها الشمس وتدبيرها - أولى بالتعظيم وأحق أن يسجد له ، مع أنه لا معنى لعبادة ما لا شعور له بها ولا شعور للشمس بسجدتهم والله سبحانه يعلم ما يخفون وما يعلنون فالله سبحانه هو المتعين للسجدة والتعظيم لا غير.

وبهذا البيان تبين وجه اتصال قوله تلوا"الله لا إله إلا هو"إلخ.

قوله تعالى:"الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم"من تمام كلام الهدهد وهو بمنزلة التصريح بنتيجة البيان الضمني السابق وإظهار الحق قبال باطلهم ولذا أتى أولا بالتهليل الدال على توحيد العبادة ثم ضم إليه قوله:"رب العرش العظيم"الدال على انتهاء تدبير الأمر إليه فإن العرش الملكي هو المقام الذي تجتمع عنده أزمة الأمور وتصدر منه الأحكام الجارية في الملك.

وفي قوله:"رب العرش العظيم"مناسبة محاذاة أخرى مع قوله في وصف ملكة سبإ:"و لها عرش عظيم"ولعل قول الهدهد هذا هو الذي دعا - أو هو من جملة ما دعا - سليمان (عليه السلام) أن يأمر أن يأتوا بعرشها إليه ليخضع لعظمة ربه كل عظمة.

قوله تعالى:"قال سننظر أ صدقت أم كنت من الكاذبين"الضمير لسليمان (عليه السلام) .

أحال القضاء في أمر الهدهد إلى المستقبل فلم يصدقه في قوله لعدم بينة عليه بعد ولم يكذبه لعدم الدليل على كذبه بل وعده أن يجرب ويتأمل.

قوله تعالى:"اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ما ذا يرجعون"حكاية قول سليمان خطابا للهدهد كأنه قيل: فكتب سليمان كتابا ثم قال للهدهد: اذهب بكتابي هذا إليهم أي إلى ملكة سبإ وملئها فألقه إليهم ثم تول عنهم أي تنح عنهم وقع في مكان تراهم فانظر ما ذا يرجعون أي ما ذا يرد بعضهم من الجواب على بعض إذا تكلموا فيه.

وقوله:"فألقه"بسكون الهاء وصلا ووقفا في جميع القراءات وهي هاء السكت ، ومما قيل في الآية: إن قوله"ثم تول عنهم فانظر"إلخ ، من قبيل التقديم والتأخير والأصل فانظر ما ذا يرجعون ثم تول عنهم: وهو كما ترى.

قوله تعالى:"قالت يا أيها الملؤا إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه"

بسم الله الرحمن الرحيم"في الكلام حذف وإيجاز والتقدير فأخذ الهدهد الكتاب وحمله إلى ملكة سبإ حتى إذا أتاها ألقاه إليها فأخذته ولما قرأته قالت لملئها وأشراف قومها يا أيها الملؤا"إلخ"."

فقوله:"قالت يا أيها الملؤا إني ألقي إلي كتاب كريم"حكاية ذكرها لملئها أمر الكتاب وكيفية وصوله إليها ومضمونه ، وقد عظمته إذ وصفته بالكرم.

وقوله:"إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم"ظاهره أنه تعليل لكون الكتاب كريما أي والسبب فيه أنه من سليمان ولم يكد يخفى عليها جبروت سليمان وما أوتيه من الملك العظيم والشوكة العجيبة كما اعترفت بذلك في قولها على ما حكاه الله بعد:"و أوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين".

"و إنه بسم الله الرحمن الرحيم: أي الكتاب باسمه تعالى فهو كريم لذلك والوثنيون جميعا قائلون بالله سبحانه يرونه رب الأرباب وإن لم يعبدوه ، وعبدة الشمس منهم وهم من شعب الصابئين يعظمونه ويعظمون صفاته وإن كانوا يفسرون الصفات بنفي النقائص والأعدام فيفسرون العلم والقدرة والحياة والرحمة مثلا بانتفاء الجهل والعجز والموت والقسوة فكون الكتاب باسم الله الرحمن الرحيم يستدعي كونه كريما ، كما أن كونه من سليمان العظيم يستدعي كونه كريما ، وعلى هذا فالكتاب أي مضمونه هو قوله:"ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين"وأن مفسرة."

ومن العجيب ما عن جمع من المفسرين أن قوله:"إنه من سليمان"استئناف وقع جوابا لسؤال مقدر كأنه قيل: ممن الكتاب وما ذا فيه فقالت: إنه من سليمان إلخ ، وعلى هذا يكون قوله: وإنه بسم الله بيانا للكتاب أي لمتنه وأن الكتاب هو"بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين".

ويتوجه عليهم أولا: وقوع لفظة أن زائدة لا فائدة لها ولذا قال بعضهم: إنها مصدرية و"لا"نافية لا ناهية وهو وجه سخيف كما سيأتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت