و ثانيا: بيان الوجه في كون الكتاب كريما فقيل: وجه كرامته أنه كان مختوما ففي الحديث: إكرام الكتاب ختمه حتى ادعى بعضهم أن معنى كرامة الكتاب ختمه ، يقال: أكرمت الكتاب فهو كريم إذا ختمته ، وقيل: إنها سمته كريما لجودة
خطه وحسن بيانه ، وقيل: لوصوله إليها على منهاج غير عادي ، وقيل: لظنها بسبب إلقاء الطير أنه كتاب سماوي إلى غير ذلك من الوجوه.
وأنت خبير بأنها تحكمات غير مقنعة ، والظاهر أن الذي أوقعهم فيما وقعوا حملهم قوله:"و إنه بسم الله - إلى قوله - مسلمين"على حكاية متن الكتاب وذلك ينافي حمل قوله:"إنه من سليمان وإنه بسم الله"إلخ ، على تعليل كرامة الكتاب ويدفعه أن ظاهر أن المفسرة في قوله:"ألا تعلوا علي"إلخ ، أنه نقل لمعنى الكتاب ومضمونه لا حكاية متنه فمحصل الآيتين أن الكتاب كان مبدوا ببسم الله الرحمن الرحيم وأن مضمونه النهي عن العلو عليه والأمر بأن يأتوه مسلمين فلا محذور أصلا.
قوله تعالى:"ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين"أن مفسرة تفسر مضمون كتاب سليمان كما تقدمت الإشارة إليه.
وقول بعضهم: إنها مصدرية و"لا"نافية أي عدم علوكم علي ، سخيف لاستلزامه أولا: تقدير مبتدإ أو خبر محذوف من غير موجب ، وثانيا: عطف الإنشاء وهو قوله:"و أتوني"على الإخبار.
والمراد بعلوهم عليه ، استكبارهم عليه ، وبقوله:"و أتوني مسلمين"إسلامهم بمعنى الانقياد على ما يؤيده قوله:"ألا تعلوا علي"دون الإسلام بالمعنى المصطلح وهو الإيمان بالله سبحانه وإن كان إتيانهم منقادين له يستلزم إيمانهم بالله على ما يستفاد من سياق قول الهدهد وسياق الآيات الآتية ، ولو كان المراد بالإيمان المعنى المصطلح كان المناسب له أن يقال: أن لا تعلوا على الله.
وكون سليمان (عليه السلام) نبيا شأنه الدعوة إلى الإسلام لا ينافي ذلك فإنه كان ملكا رسولا وكانت دعوته إلى الانقياد المطلق تستلزم ذلك كما تقدم وقد انتهت إلى إسلامها لله كما حكى الله تعالى عنها"و أسلمت مع سليمان لله رب العالمين".
قوله تعالى:"قالت يا أيها الملؤا أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون"الإفتاء إظهار الفتوى وهي الرأي ، وقطع الأمر القضاء به والعزم عليه والشهادة الحضور وهذا استشارة منها لهم تقول: أشيروا علي في هذا الأمر الذي واجهته وهو الذي يشير إليه كتاب سليمان - وإنما أستشيركم فيه لأني لم أكن حتى اليوم
أستبد برأيي في الأمور بل أقضي وأعزم عن إشارة وحضور منكم.
فالآية تشير إلى فصل ثان من كلامها مع ملئها بعد الفصل الأول الذي أخبرتهم فيه بكتاب سليمان (عليه السلام) وكيفية وصوله وما فيه.
قوله تعالى:"قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ما ذا تأمرين"القوة ما يتقوى به على المطلوب وهي هاهنا الجند الذي يتقوى به على دفع العدو وقتاله ، والبأس الشدة في العمل والمراد به النجدة والشجاعة.
والآية تتضمن جواب الملإ لها يسمعونها أولا ما يطيب له نفسها ويسكن به قلقها ثم يرجعون إليها الأمر يقولون طيبي نفسا ولا تحزني فإن لنا من القوة والشدة ما لا نهاب به عدوا وإن كان هو سليمان ثم الأمر إليك مري بما شئت فنحن مطيعوك.
قوله تعالى:"قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون"إفساد القرى تخريبها وإحراقها وهدم أبنيتها ، وإذلال أعزة أهلها هو بالقتل والأسر والسبي والإجلاء والتحكم.