كان رأيها على ما يستفاد من هاتين الآيتين - - - زيادة التبصر في أمر سليمان (عليه السلام) بأن ترسل إليه من يختبر حاله ويشاهد مظاهر نبوته وملكه فيخبر الملكة بما رأى حتى تصمم هي العزم على أحد الأمرين: الحرب أو السلم وكان الظاهر من كلام الملإ"حيث بدءوا في الكلام معها بقولهم نحن أولو قوة وأولو بأس شديد ، أنهم يميلون إلى القتال لذلك أخذت أولا تذم الحرب ثم نصت على ما هو رأيها فقالت:"إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها"إلخ ، أي إن الحرب لا تنتهي إلا إلى غلبة أحد المتحاربين وفيها فساد القرى وذلة أعزتها فليس من الحزم الإقدام عليها مع قوة العدو وشوكته مهما كانت إلى السلم والصلح سبيل إلا لضرورة ورأيي الذي أراه أن أرسل إليهم بهدية ثم أنظر بما ذا يرجع المرسلون من الخبر وعند ذلك أقطع بأحد الأمرين الحرب أو السلم."
فقوله:"إن الملوك إذا دخلوا"إلخ ، توطئة لقوله بعد:"و إني مرسلة إليهم بهدية فناظرة"إلخ.
وقوله:"و جعلوا أعزة أهلها أذلة"أبلغ وآكد من قولنا مثلا: استذلوا أعزتها لأنه مع الدلالة على تحقق الذلة يدل على تلبسهم بصفة الذلة.
وقوله:"و كذلك يفعلون"مسوق للدلالة على الاستمرار بعد دلالة قوله:"أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة"على أصل الوقوع ، وقيل: إن الجملة من كلام الله سبحانه لا من تمام كلام ملكة سبإ وليس بسديد إذ لا اقتضاء في المقام لمثل هذا التصديق.
قوله تعالى:"و إني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون"أي مرسلة إلى سليمان وهذا نوع من التجبر والاعتزاز الملوكي تصون لسانها عن اسمه وتنسب الأمر إليه وإلى من معه جميعا وأيضا تشير به إلى أنه يفعل ما يفعل بأيدي أعضاده وجنوده وإمداد رعيته.
وقوله:"فناظرة بم يرجع المرسلون"أي حتى أعمل عند ذلك بما تقتضيه الحال وهذا - كما تقدم - هو رأي ملكة سبإ ويعلم من قوله:"المرسلون"أن الحامل للهدية كان جمعا من قومها كما يستفاد من قول سليمان بعد:"ارجع إليهم"أنه كان للقوم المرسلين رئيس يرأسهم.
قوله تعالى:"فلما جاء سليمان قال أ تمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون"ضمير جاء للمال الذي أهدي إليه أو للرسول الذي جاء بالهدية.
والاستفهام في قوله:"أ تمدونن بمال"للتوبيخ والخطاب للرسول والمرسل بتغليب الحاضر على الغائب ، وتوبيخ القوم من غير تعيين الملكة من بينهم نظير قولها فيما تقدم:"و إني مرسلة إليهم بهدية"كما أشرنا إليه.
وجوز أن يكون الخطاب للمرسلين وكانوا جماعة وهو خطأ فإن الإمداد لم يكن من المرسلين بل ممن أرسلهم فلا معنى لتوجيه التوبيخ إليهم خاصة ، وتنكير المال للتحقير ، والمراد بما آتاني الله الملك والنبوة.
والمعنى: أ تمدونني بمال حقير لا قدر له عندي في جنب ما آتاني الله فما آتاني الله من النبوة والملك والثروة خير مما آتاكم.
وقوله:"بل أنتم بهديتكم تفرحون"إضراب عن التوبيخ بإمداده بالمال إلى التوبيخ بفرحهم بهديتهم أي إن إمدادكم إياي بمال لا قدر له عندي في جنب ما آتاني الله قبيح وفرحكم بهديتكم لاستعظامكم لها وإعجابكم بها أقبح.
وقيل: المراد بهديتكم الهدية التي تهدى إليكم ، والمعنى: بل أنتم تفرحون بما
يهدى إليكم من الهدية لحبكم زيادة المال وأما أنا فلا أعتد بمال الدنيا هذا.
وبعده ظاهر.
قوله تعالى:"ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون"الخطاب لرئيس المرسلين ، وضمائر الجمع راجعة إلى ملكة سبإ وقومها ، والقبل الطاقة ، وضمير"بها"لسبإ ، وقوله:"و هم صاغرون"تأكيد لما قبله ، واللام في"فلنأتينهم"و"لنخرجنهم"للقسم.
لما كان ظاهر تبديلهم امتثال أمره - وهو قوله:"و أتوني مسلمين"من إرسال الهدية هو الاستنكاف عن الإسلام قدر بحسب المقام أنهم غير مسلمين له فهددهم بإرسال جنود لا قبل لهم بها ولذلك فرع إتيانهم بالجنود على رجوع الرسول من غير أن يشترطه بعدم إتيانهم مسلمين فقال:"ارجع إليهم فلنأتينهم"إلخ ، ولم يقل: ارجع فإن لم يأتوني مسلمين فلنأتينهم إلخ ، وإن كان مرجع المعنى إليه فإن إرسال الجنود وإخراجهم من سبإ على حال الذلة كان مشروطا به على أي حال.
والسياق يشهد أنه (عليه السلام) رد إليهم هديتهم ولم يقبلها منهم.